صورةٌ لرجلٍ لا تأخذهُ في الله لومةُ لائم، لا يعرفُ إلاّ محبّة اللهِ ومحبّة رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وشائجُ القربى بينه وبين النّاسِ مقطوعةٌ إلاّ ما وصلها الله وأمر بوصلها، لم يُرِد رضي الله عنه أن يتشبّه برجلٍ منافقٍ، استغلَّ وجوده في الصّف المسلمِ لتمريرِ شبكةِ علاقاتٍ قائمةٍ على أصولٍ جاهليّةٍ فاسدة، أو يبني علاقةً على حساب الإسلامِ والمسلمين، وفي هذه الصورة المعروضةِ تظهر لنا أنّ الشّخصيّة الصّحابيّة قد بلغت من الرّقيِّ الفِكْري والنّفسيّ إلى درجةِ ما يحبُّ الله تعالى وما يرضيه قبل أن تسمع الخبر الإلهيّ، فالنّبيّ صلى الله عليه وسلم شهد لحُكمِه أنّه هو حكم الله تعالى، وقد كان رضي الله عنه في منطقةِ الاختيار الجائز للطّرفين، ولكنّه لمّا وصل إلى درجة القُرْب من عبوديّته لسيّده -جلّ في علاه- صار يعرِفُ ما يريدُه سيّده، وما هذا إلاّ بسبب الطّاعات وكثرة القرب كما قال الله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا} ، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسيّ: (( وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يَبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه ) )، ثمّ انظر إلى دعائه الأخير، والذي يكشِف فيه سبب رغبَتِه في زيادَة العُمر إن كانت ثمّ فائدة، وما هي هذه العلة التي من أجلها يطلب طولَ العُمر: إنّها مقاتلة المشركين:"اللهم إن كنت أبقيتَ من حربِ قريشٍ شيئًا فأبقني لها". إنّ الحياة ليست بطول السّنين ولا بكثرة الأيَّام، وليس جمالها برغَد الطّعام ولينِ الفراش، ولكن إن كان ثمّة رغبة في الحياة فهي بسبب الجهاد، وهذه نفسيّة أغلب أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فهناك قولٌ لعمرَ بن الخطّاب رضي الله عنه شبيه بقول سعد، وكذا لخالد بن الوليد، ولأبي بكر رضي الله عنهم