فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 611

جميعًا، وكلّها تشهَدُ أنّ الجهاد صار هاجس النّفس، ومنتهى الطّلب، وغاية المُنَى، وإن كان الله تعالى قد كتب الجهاد وهو كُرهٌ للبشر كما قال في كتابه - جلّ في علاه: {كُتِبَ عليكُمُ القِتال وهو كره لكم} ، فإنّ تلك النّفوس ما زالت تترقّى وتتعالى على شَهَوَاتِها حتّى صار الجهاد شهوتها ورغبتها:

وذاك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلوٍ ممزّع

إنّ هناك لفارقًا كبيرًا بين جيل كان يطلب الإذن للقتال، وإذا سمع شرًّا بادَرَ بمعالجته بالسّيف:"أفلا ننابذهم؟"، وبين جيلٍ يلتمسُ المعاذيرَ والحُجَج الهزيلة لإسقاط الجهاد أو تعويقه أو تأجيله. إنّه لشتّان بين هذين الجيلين؟.

لقد كان لحكم سعدٍ بن معاذ رضي الله عنه - هذا الحكم الرائع - على بني قريظةَ موجباتٌ ومقدِّمات عقليّة ونفسيّة، وهذه العقليّة والنفسيّة قد شكّلها مبدأ الجهاد أوّلًا، ثم مسيرةُ الجهادِ ثانيًا، وخاصّة حدثُ الأحزاب، إنّه لا يُمكن أن يَصدُر هذا الحكم بلا مقدِّمات موضوعيةٍ حقيقيةٍ:

رجلٌ بينه وبين قومٍ وشائجٌ وصلاتٌ هي من أقوى الصلات بين الناس يومَ ذاك، ومن أجلها يبذلون الأرواح والأموال والطّاقات، فالحليف كان ينصر حليفه حتى لو أدت هذه النُّصرة إلى المهالك، ثمّ هذه الوشائجُ والصِّلات بإنشاء الأحلاف لم تكن تنشأ من فراغٍ نفسي، بل من وجود محبَّةٍ وعلاقةٍ خاصّة بين المتحالفين، وها هنا الأوس وبني قريظة، ثمَّ وفي ظَرْفٍ يصدِرُ الحليف حكم الموت على حليفه:"حكمي فيهم بأن تقتل الرجال، وتقسّم الأموال، وتسبى الذراري والنساء"، وهذا الحكم ليس موجبه الخلاف القبلي ودليل ذلك أن الأوس جعلوا يطوفون به يرجونه بأن يُعتقهم ويطلق سراحهم، فما هي هذه الموجِبات التي جَعلته ينطق هذا الحكم الرائع العادل؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت