الله عنهم، فالحرب تأخذُ وتُعطي، نصرٌ وابتلاء، حتّى وصلت الذَّرْوة في هذا السّجال إلى غزوة الأحزاب، حيث قرّرت قريش أن تضرب ضربتها النّهائيّة، وتُنهي سلسلة الصّراع لصالحها.
ولو أردنا أن نوازن بين البلاء على قريش والبلاءِ على الصّحابة والمسلمين في مجموع الصّراع لظهر أنّ البلاء كان أشدّ وأعظمَ على المسلمين، إذ كانت قريش تتعامل مع محيطٍ في الجملة معها سوى بعضِ القبائل الكارهة لها كخزاعة، ولكنّ المدينة الطّيّبة محاصرة من اليهود ومن الأعراب ومن قريش، وفي الدّاخل من المنافقين، فالمعوّقات على الصّفّ المسلم وفي داخله كانت أشدّ وأعظم من وجوده في عسكر قريش.
هذا الصّراع بين قريش والنّبيّ صلى الله عليه وسلم كما قلنا كانت العرب ترقبه وتنتظر نتيجته، وقد كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يحاول جاهدًا أن يحيّد قريش في صراعه مع الشّرك في الجزيرة العربيّة، لأنّها ليست بالكتلة الهيّنة، ولا المعادِلة له في الصّراع وظهر هذا في قوله كما روى البخاري: (( إنّ قريشًا نهكتهم الحرب وأضرّت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مُدّة ويخلّوا بيني وبين الناس، فإن أظهرُ فإن شاءوا أن يدخلوا في ما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جمّوا(أي استراحوا) وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنّهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذنّ الله أمره ))وهذا قاله عندما توجه إلى مكّة للعمرة ونزوله في الحديبية صلى الله عليه وسلم، ولكن يأبى الله تعالى إلا أن ينصر دينه وذلك بتصعيد الصّراع بين قريش وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت قريش تضع نفسها في كل مرة أمام مدّ الإسلام، فتَغلِب وتُغلَب، حتى جاءت غزوة الأحزاب وهي الوعد الإلهي المبشّر كما سمّاها الأصحاب الكرام رضي الله عنهم وحدَث ما حدَث من نزول الملائكة وإرسال الصَّبا.