والآن عودة إلى غزوة الأحزاب: لقد كانت قريش لها مكانة خاصّة في الجزيرة العربيّة، وكانت العربُ ترقب نتيجةَ الصّراع بين النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقريش، وذلك كما روى البخاريّ عن عمرو بن سلمة رضي الله عنه أنّه قال:"وكانت العرب تلوم (أي تتحيّن وتتربّص) بإسلامهم الفتح (أي فتح مكّة) ، فيقولون اتركوه وقومه فإن ظهر عليهم (أي انتصر) فهو نبيٌّ صادق"، بل إنّ بعض العرب جعل لإسلامه موعدًا، كما قال ذو الجوشن الضّبابيّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما دعاه إلى الإسلام، فوقّت ذو جوشن موعدًا لإسلامه وهو هزيمة قريش حيث قال:"إن تغلب على الكعبة وتقطنها" [انظر مجمع الزوائد 6/162] . وعلى هذا فلو رأينا معارك النّبيّ صلى الله عليه وسلم مع قريش لرأيناه سجالًا وذلك كما وصفها أبو سفيان قبل إسلامه لهرقل:"يغلبنا يومًا ونغلبه يومًا"، وقبل الأحزاب كانت بدر الكبرى التي سمّاها الله تعالى {يوم الفرقان} ، بالرّغم أنّها لم تكن حربًا عالميّةً، وليست تعدل بحجمها العسكريّ الغزوات الإسلاميّةَ الكبرى كاليرموك والقادسيّة وغيرهما، وهي كذلك معركة لم تقض على قريش قضاء مبرمًا، بل خرجت قريش بعدها بسنة لغزوة أحد، وتمّ لهم الغلبة العسكريّة في أحد، ولكن عظمة هذه الغزوة التي سمّاها الله فرقانًا وهي التي لم تحضّر لها قريش طويلًا، ولم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجلها، بل تمّت من غير ميعاد، لأنّ بها قد وضع حجر الأساس للفتح الأكبر، فهي لبنة من لبنات بناء النّصر، وهكذا فكلّ معركة تلتها كانت تصبّ في خانة الفتح الأكبر «فتح مكّة» وكان فتح مكّة لبنة ومحطّة للخروج من الجزيرة، وهكذا..، وبعد بدر كانت أحد، وما تمّ فيها من استشهاد سبعين صحابيًّا، وخسران الجماعة المسلمة بعض قياداتها، وهكذا توالى السجال، بئر معونة وما حصل فيها من البلاء الشّديد في السّنة الرّابعة للهجرة، حيث قُتل نفر من خيرة المدرّسين والمعلّمين والفقهاء رضي