مضمون الدّين مرتبط بطريقة الخطاب ارتباطًا حتميًّا، وما من محاولةٍ يقوم بها أهل الأهواء لتطويرِ الخطاب إلا ويكون القصدُ (ويقع بالفعل) حرف الدّين عن مفاهيمه الصّحيحة، وما من محاولة لحرف الدّين عن مفاهيمه الصّحيحة إلاّ ويضطر أصحاب هذا الانحراف إلى استخدام ألفاظٍ جديدة وبُنى للخطاب الدّينيّ، وخلال مسيرة التّحريف يرفع أصحابُ الأهواء راية التّقدّميّة والعقلانيّة وينبزون خصومَهم بألقاب الرّجعيّة والحشويّة والتّزمّت.
وعلى الرّغم من أنّ أهل الأهواء في هذا الباب تتفاوتُ مراتبهم وتتباين إلى درجة عالية إلاّ أنّ أغلبهم يريد أن ينشئ فقهًا جديدًا، وتسيير بدعةٍ جديدةٍ بين المسلمين.
مراتِبُهم تتفاوت من نبز الخصوم (والخصوم هنا هم أهل الحديث والأثر) بالعقليّة الفقهيّة، إلى درجة تسميتهم بالأرثوذكسيّة الإسلاميّة.
أصحاب الأهواءِ هؤلاءِ ليسوا بدعة نابتة في يومنا هذا، بل لهم امتداد زمني منذ (1200) سنة هجريّة مضت ودعوى الإبداع هي دعوى خبيثة لا جذور لها، بل هي قائمة على الكذب والتّضليل.
فالمعتزلة يسمّون أهل الحديث بالحشويّة، وقصدُهم من ذلك أنّ أهل الحديث لا يُعملون عقولهم في النّص، بل دورهم التَّقليد والإتّباع وهو دور العَوام وضِعاف العقول من الناس أي حشو الناس. وسموهم كذلك غثاء وغثراء (أي سفلة الناس) . وكذا قلد المعتزلة المتكلمون من أشاعرة وماتريدية. أمّا هم فذهبوا يتقنَّعون بأردية الألقاب الرنّانة كأهل العدل والتوحيد، وأهل الحِكمة والنَّظر، وأبصر النّاس بمقاصد الشريعة، ومآلات الأمور.
أمَّا تفاوُتهم الذي تكلّمنا به فهو واقع ولا شك في عصرنا هذا، ولكنَّهم كلُّهم يجمعون على تحطيم الذُّهنية الفقهية في التعامل مع الأمور، ويأنَفون من الأبحاث الأصولية التي تنهج الطريق السلفية في البحث والنظر.