الشيخ الغزالي عندما يرد على الحكم الشرعي الذي يقوله جمهور العلماء بتحريم الغناء فإنه لا يعالج هذه المسألة بطريقة أصولية حديثية، ولكن يذهب إلى أنَّ تحريم الغناء هو فقه أنتجه الفقه البدوي (البيئة البدوية) ، وهو بهذا الترجيح والتعليل فإنه يمارس التاريخية (وتعني منهج يتعامل مع الأحكام من خلال كونها أتت في ظرف تلائمه ولا تصلح لكل زمن، وهي بخلاف قواعد الشريعة وأنها صالحة لكل زمان ومكان) ويعلل الفقه بها، مع أن الشيخ في هذا الباب ومن وجهة نظر إنسانية بحتة قد أخطأ خطأً شنيعًا، بل كان دوره كالببغاء يردّد الكلام دون فهم، لأنّ تفاعل الإنسان بالغناء وأدواته لا تختلف بين بيئةٍ وبيئة، فما من إنسان إلا يهتزُّ للغناء وأدواته (وليس كل تفاعل واهتزاز مباح) بل إن الدوابَّ تطرُبُ للغناء وأدواته، والبدو فَهِموا هذا الأمر قبل مدينة وحضارة الشيخ الغزالي المعمم، لكن هكذا تظهر بوادر تغيير أصول الفقه.
وبمثال آخر فإن الكثير من البحَّاثة (تجاوزًا) جعلوا النتائج التي وصل إليها الأستاذ سيد قطب هي وليدة معاناةٍ شخصيةٍ أسقطها على كتاب الله تعالى، فخرجت معه نتائج تلائم القهر الذي عاشه وعاناه، أي أنَّ سيد قطب تعامل مع تفسير القرآن بأصول خاصّة وليس مع قواعد مطلقةٍ فوق الزمانِ والمكانِ، وهم بهذا يريدون القول أنَّ تفسير القرآن هو تفاعلٌ خاصّ وذاتي وغير مُلزِم، لكن السؤال: متى يكون هذا التفسير مُلزِمًا وكيف يَثبُت خطؤه؟.
الجواب معروف عند أهل السنة والجماعة، وهو أن القرآن يفسِّرُ وهو أفضل التفاسير، ويفسَّرُ بالسنة ولا يتعداها إذا وُجِدت ثمَّ بأقوال الصحابة ثم باللغة العربية.
فعلى هؤلاء أن يُثبِتوا خطأ القول لا بإلغاء القواعد ولكن بالتعامل مع هذه القواعد، لكن هؤلاء لهم قواعد وأصول لا تمتُّ إلى اللغة العربية بصلةٍ، ولا إلى قواعد الأسلاف برابطة.