يُكثِر الأرائتيّون المنهزمون الاحتجاج بالعمومات، وخاصّة القواعد الفقهيّة للتدليل على أحكامهم المتبنّاة والعجيبة جدًّا، وحتّى لو أتى أحدهم بقول لم يأت له فيه سلف فإنّ قاعدة «لا يُنكَرُ تغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان» سِعَةٌ لهم ليقولوا تحتها ما يشاءون وما يستحسنون وما يشتهون!!، وإن كان ثمّ حركةٍ أو فقهٍ جديدٍ توافق هوى القائد أو الرئيس أو الحزب والتّنظيم، فإنّ باب المصلحة مخلوع الأبواب، مهدّم الجدران يتّسع لكلّ حكم، وقاعدة: «حيثما كانت المصلحة فثمّ شرع الله» فيها السّعة أن ننسب لشرع الله ما نريد، والحقيقة أنّ الخلاف بين هؤلاء القوم - الأرائتيّون المنهزمون - وبين العلمانيين هو خلاف لفظيّ فقط، فما من باقعة وطامّة ومصيبةٍ تفعلها الأحزاب العلمانيّةُ إلاّ وهذه الأحزاب والشّخصيّات والمفكّرون الأرائتيّون قد أتوا بها وفعلوها، وقبل ذلك نَسبوها لشرع الله تعالى، أي ازدادوا ظلمًا على ظلم وهو التّقوّل على الله تعالى {ويقولون على الله ما لا يعلمون} والفارق بين الطّرفين هو إسناد هذا الحكم، فالعلمانيّ منسجمٌ مع نفسه عند نسبته الحكم لمصدره، حيث يقول: هذا حكم اقتضته المصلحةُ الإنسانيّة، والإنسان مصدر الأحكام، فهو حكم صحيح. وأمّا هذا المنتسب للإسلام فيُدخِل الإسلام في وسط معادلة، ولكنّها تبقى ثابتة (أي المعادلة بطرفيها) المقدّمة والنّتيجة، ولكن يقول: وحيث ثبت هذا فالإسلام يقرُّ ذلك ويقول به، فأعطى هذا الحكم غطاءًا شرعيًّا، ولذلك أنت ترى أنّ الفجوة الفكريّة والعلميّة ثمّ النّفسيّة بين هذين الطّرفين صارت ضيّقة بل هي قد تلاشت، فالتّرابيّ والغنوشي والبوطي والإخوان المسلمون و... و... والكثير صارت برامجهم متّحدةً مع خصوم الإسلام العلمانيين، وصارت تجْمَعُهم المؤتمرات والشّعارات والبرامج والتّحالفات، ولقد كانت بعض المؤتمرات صدمةً هائلة لدى هؤلاء العلمانيين حيث صاروا يسمعون أنّ الخلاف بينهم وبين