لقد مدح هؤلاء الأرائتيّون منهج البدعة التي حذّر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (( عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديين من بعدي، عضّوا عليها بالنّواجذ، وإيّاكم ومحدثاتُ الأمور، فإنّ كلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار ) )حديث حسن من حديث العرباص بن سارية رضي الله عنه، فجاء هؤلاء ليقولوا أنّ ما فعله الأوائل من بدعة هو منتهى الحقّ، لأنّهم استجابوا لظروف حياتهم، ثمّ ذهبوا يبرّرون الفارق بين علم السّلف وعلم الخلف لا على أساس ما فعله الخلف - أنّه سبب انحطاط الأمّة وذهاب قوّتها وعزّتها - ولكن على أساس مدح المبتدعة بأنّهم قدّموا الإسلام الجديد للوضع الجديد.
هذه القاعدة التي يقولها هؤلاء القوم هي عين القاعدة التي يحتجّ بها العلمانيّون على طريقتهم المبتدعة والجديدة في دراسة الشّريعة، صحيح أنّ الكثير من النّتائج مختلفةٌ عند الفريقين لكنّ القواعد بين الفريقين هي قواعد مشتركة.
لو قرأ المرء كتاب عزيز العظمة «العلمانيّة من منظور مختلف» وهو من أوقح العلمانيين في طرح ما يريد كما في كتابه المذكور، لرأى أنَّ موقفه من تبنّي العلمانيّة هو خارج - رُغم أنفه - من رؤيته لتطوّر الإسلام وتغييره (استجابة للسّلطة لا كما يعتقد البوطيّ) ، وقوله هذا نفس مخرج محمّد أركون حين برّر لنفسه ابتداع أصول فقه جديد لفهم النّص، وهو نفس قول ومخرج نصر حامد أبو زيد [انظر مقدّمة كتابه «مفهوم النّص» ] ، وهي القاعدة التي ذكرها البوطيّ في كتابه «السّلفيّة» .
القاعدة واحدة وهي أنّ الأوائل أوّلوا النّص، وداروا به، وحاوروه، واستجابوا في تفسيره للأفكار الجديدة الوافدة، وهؤلاء الأوائل لم يخرجوا من دائرة الإسلام، ولم يعنّفهم أحد، بل عدّهم النّاس أئمّة وقادة، وعلماء، ومجدّدين، فلماذا يحرّم علينا هذا الفعل، ولماذا لا نطوّر النصّ بقواعد جديدة، ونفهمه بآليّة حديثة؟.