وهكذا بقي الشّعار والعنوان والنّسبة إلى عيسى عليه السّلام وانحرف المضمون وتبدّل المحتوى، واستمرّ الصّراع بين الموحّدين في الشّرق وبين الوثنيين في روما قائمًا حول - من أحقّ بهذا الدّين الجديد - واستمرّ على هذه الحالة سنين طويلة، حتّى استطاع الوثنيّون المثلِّثون كسب إمبراطور رومانيّ إلى صفّهم هو قسطنطين (والتي يسمّيه النّصارى بقسطنطين الكبير أو القدّيس قسطنطين مع أنّه لم يدخل في دينهم قط، فبعض الرّوايات تقول أنّه تعمد نصرانيًّا على فراش الموت وبعضها ينفي هذا التّعميد كليّة) حيث أعانوه في تحقيق انفراده بالسّلطة ضدّ خصومه، فحفِظَ لهم هذا الجميل وبدأ يدعم مذهبهم واتّجاههم، وكذلك استطاعوا التأثير على أمّه هيلانة حيث استمالوا قلبها إلى الدّين الوثنيّ الجديد، فاستغلّوا السّلطة الحاكمة في القضاء على خصومهم من الموحّدين، تنصّرت الدّولة الرّومانيّة على الطّريقة الوثنيّة وبدأ تنكيلها وقتلها للموحّدين في الشّرق ممّا اضطرّ أصحاب التّوحيد إلى الهرب إلى الجبال والقفار بعيدا عن بطش الدّولة الرّومانيّة، وبقي قلّة منهم على طريق التّوحيد حتّى جاءهم الإسلام ودخل إلى بلادهم فدخلوا فيه وأسلموا، وهكذا سُرق الشّعار، وتحوّلت الدّعوة بفعل رجل واحد غير الملّة والدّين، واستغلّ أتباعه السّياسة والحكم فعاونتهم في القضاء على خصومهم وإبعادهم من الطّريق، وها هو الدّين المنسوب لعيسى عليه السّلام يملأ أتباعه فجاج الأرض وليس فيهم موحّد لله تعالى.