هذه الأبيات في أوائل العقيدة النّونيّة (سمّيت بذلك لأنّ قافيتها نون) حيث بدأ ابن القيّم يعدّد خصال الجهميّة المعطّلة (أتباع جهم بن صفوان الخزريّ وقيل التّرمذيّ ثمّ قُتل زندقة لأقواله هذه) ويقصد بالمعطّلة: أنّهم يعطّلون صفات الله تعالى ويَنفونها ويزعمون أنّ الله ذات مجرّدة، وهم وإن كانوا متأوّلين إلاّ أنّ نهاية قولهم هو القول بتعطيل الخالق، إذ لا يتصوّر العقل ذاتًا من غير صفاتٍ إلا لمن لا حياة له، أو نهاية أمره هو القول بوحدة الوجود، وهو أنّ الله هو كلّ موجود، وقد ورث الأشاعرة هذه العقيدة (التّعطيل) ، مع أنّهم ينسبون هذه الصّفات إلى الله تعالى إلاّ أنّهم يجرّدونها عن حقيقتها بتأويلها فينسبون لله صفة المحبّة ولكنّهم يفسّرونها أنّها إرادة الخير من الله للإنسان. فابن القيّم يقول عن الجهميّة أنّهم نفوا عن الله تعالى صفة الخلّة وهي صفة جاءت في الحديث: (( لو كُنت متّخذًا من الأرض خليلًا لاتّخذت أبا بكر خليلًا، ولكنّي خليل الله ) )، والخلّة هي أعلى مراتب المحبّة لأنّها لا تُقال إلاّ إذا تخلّل الحبيب كلّ القلب، كما قال الشّاعر:
لقد تخلّلت مسالك الرّوح منّي فبذا سمّي الخليل خليلًا
ولهذا سمّي إبراهيم عليه السّلام خليل الله تعالى.
فالجهميّة نفت صفة الخلّة وجعلوا الخلّة هي حاجة المرء لربّه، فردّ عليهم ابن القيّم أنّ هذه الصّفة لا يتميّز المسلم بها عن الكافر لأنّ جميع الخلق (مؤمنهم وكافرهم) محتاجون إلى الله تعالى، وجميع الخلق في قبضته وأسره.
وبسبب نفيهم صفة الخلّة عن الله تعالى وقولهم بتعطيل صفات الله تعالى كالكلام وكذا علوّه على خلقه استحقّوا القتل، وقد قَتَل القسريّ الجعد بن درهم لقوله بهذه العقيدة الفاسدة.
وقد مدح العلماء (أهل السنّة) صنيع خالد القسريّ هذا وكذا مدحه ابن القيّم بقوله:"لله درّك من أخي قربان".