كان شأن سلفنا الصّالح رضي الله عنهم عظيمًا مع أهل البدع، ولا يرون شيئًا أضرّ على دين الإسلام منهم، والقارئ المتمعّن لكتب السّلف لا يرى هذه الهنّات النّفسيّة التي وقع فيها الخلف من الإخوان المسلمين وحزب التّحرير، ولا يرى فيها التّنازلات المقيتة التي وقع فيها المتأخّرون من أصحاب التّجمّعات البدعيّة، والسّلف من أهل الحديث والسنّة لم يكن عندهم همّ التّجميع والتّكثير على حساب المنهج بل كان المنهج قبل كلّ شيء، والتّوحيد بجلائه ووضوحه هو أساس المحبّة والولاء، والبدعة والشّرك هما مناط البغض والعداء والبراء، لكن لمّا هانت السنّة على النّاس، وصار الحديث عند أصحاب الفهم الحضاري للإسلام عن الجنّة والنّار والغيب والآخرة والثّواب والعقاب هو حديث السذّج من النّاس، ضاعت معالم الدّين واندرست آثاره، وبدأت المصطلحات الجديدة تغشى الإسلام وشعاره المجرّد فصار هناك الإسلام الحضاريّ، والإسلام الدّيمقراطيّ، والإسلام الليبراليّ، وصار مقدَّم القوم هو من يحسن لوك الألفاظ المفخمة، ويتقعَّر في حديثه متجنّبًا السنّة وآثارها، فتضخّمت الرؤوس بالأفكار، والألسن أصابها داء السّرطان فطالت مرضًا، وقلّ العمل، وضعُفَت عبوديّة النّاس لربّهم، وقلّ الشّوق إلى الآخرة، حينئذٍ ضرب الله قلوب النّاس بالشّبه والأهواء، فالعبقريّ الذي لا يفري فريه هو من يحسن ردّ السنّة بالهوى، ومن يقدّم الجنّة للنّاس بلا تكاليف، هذا حال أهل الرّأي الذين جعلوا الوحي حضارة والنّصّ الغيبيّ فكرًا، فتأنّس الإسلام على أيديهم، إذ صار الإسلام هو مصلحة الرّجل والجماعة لتحقيق شهواتهم في الدّنيا، وكلّ تكليف ومشقّة تلحق النّاس في عمل من الأعمال ردّوه بحجّة الضّرورة ورفع الحرج، فتوسّع النّاس في التأويل وحفظ الرّخص ومزالق العلماء وأخطائهم.