حين يتحدّث النّاس عن الجهاد في سبيل الله تعالى، فهذه كلمة جميلة وجميلة جدًّا - الجهاد في سبيل الله تعالى - ولكنّ واقع الجهاد ليس جميلًا كلّه في كلّ أحداثه، فالجهاد ليس هو هذه الخطب الرّنّانة، وليس هو تلك الكلمات الجميلة، وليس كلّه غنائم وسبايا، وليس كلّه نصرٌ مؤزّر، وليس كلّه خطبٌ ناريّة، بل فيه موت الحبيب، وفيه جرح الصّديق، وفيه تطاير الأشلاء وفقد المال، وفقد المُعيْن، وبمعنى آخر فيه جانب من المشقّة، بل المشقّة العظيمة، ثمّ فيه اختلاط الجنود وحصول الخصومات بين النّاس، فهذا ضرب هذا، وهذا خاصم هذا، وهذا شطّ على هذا، فهو حركة بشريّة، وفيه أخطاء واجتهادات، وتأويلات بعضها يستساغ وبعضها ليس كذلك، فهناك حدٌّ فاصل بين جمال الفكرة وسموِّها وبين واقعيّتها.
لو أخذنا تصوّر النّاس وخيالهم لِواقع الدّولة الإسلاميّة، لوجدنا أنّها أقرب ما تكون في أذهانهم إلى عالم الأحلام، عالم مليء بالصّور الجميلة، والفراشات الطّائرة، والألوان الزّاهية، والسّماءُ تُنزل غيثها على الدّوام، والضّرع مليء في كلّ حين، والأعداء يخافون جانبنا لِما يعلمون من نزول الملائكة معنا في القتال، فهم يتصوّرون دولة الإسلام التي لا فقير فيها، ولا مريض فيها وكلّ من طلب شيئًا فهو بين يديه، ولكن لو نظرنا لدولة النّبيّ صلى الله عليه وسلم لما وجدنا هذه الجنّة، بل لوجدنا أنّ معاناة الصّحابة رضي الله عنهم في دولة الإسلام في المدينة أشدّ من معاناتهم وهم في مكّة.
فهل حصل للصّحابة رضي الله عنهم في مكّة ما حصل لهم في غزوة الخندق {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنّون بالله الظّنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزُلزِلوا زلزالًا شديدًا} في دولة الإسلام زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وابتلاء كالزّلزال بل هو الزّلزال نفسه.