فهرس الكتاب

الصفحة 508 من 611

ثمّ اعلموا حفظكم الله أنّ حصول تمام ومنتهى النّصر لا يقع مرّة واحدة، وإنّ النّصر النّهائيّ هو محصّلة نهائيّة لحركة حياة جهاديّة كاملة، فيها النّصر، وفيها الهزيمة، فهل فتح مكّة تمّ بين ليلة وضحاها؟ أم أنّه وقع بعد سنين من المعاناة: نصر في بدر، هزيمة في أحد، فتن وآلام وملاحم في الخندق، مناورات عسكريّة ودعويّة في الحديبية، ثمّ وقع الفضل الإلهيّ بفتح مكّة، لكنّه بعد مقدّمات ومقدّمات، فهل الوصول إلى القمّة يتمّ بقفزة واحدة كما يفكّر أهل التّصوّف الفكري المعاصر من أصحاب نظريّة العصى السّحريّة: ضربة واحدة فإذا نحن في بلد الإسلام وبلد العزّة والهجرة، مالكم كيف تحكمون؟!!.

المسلم لا يعلم الغيب لكن إن قُدِّر لبعضنا أن يعيش ويرى الثّمرة النّهائيّة وهي تسقط على أصحاب الفضل الإلهيّ سيدرك أنّه ما من حركة قام بها أهل التّوحيد والجهاد إلاّ وكانت لبنة في البناء النّهائيّ: {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسّني السّوء} .

لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُدركون أنّ صلح الحديبية هو فتح من الله، وهو مقدّمة فتح الفتوح مع وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، ومع أنّه هو الذي عقد العقد، وأنشأ الصّلح، إلاّ أنّ نفوسهم لم تكن تحتمل هذه الواقعة، ولكن سبق علم الله علمهم، وكان ما أراده الله لهم.

نحن على الطّريق نسدّد ونقارب: نعمل ونعمل ونبقى في مواقعنا لن نتزحزح منها حتّى يأتينا أمر الله ولن نعتَذِر عن عمل بنيناه على الاجتهاد، ورجونا خيره، وحصول ثمرته الكلّيّة، فإن وقع ما أمّلنا فهذا فضل الله وحده، وإن كانت الأخرى: فيا الله يا صمد، يا عالم السِّرِّ وأخفى ويا من بيده ملكوت السماوات والأرض، أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تقبضني إليك، فلا أرى ولا أسمع ضحكات التَّشفِّي والغُرور، فإنّي رجل والرّجال لا تطيق ذلك.

اللهمّ آمين.. آمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت