بذواتهم، إذ امتلأت أنفسهم برؤية الذّات وتعظيمها وهذا منتهى النّفاق. والوجه الثّاني: أنّك تحسّ في أنفسهم تمنّي وقوع الشّر الذي توقّعوه، ويرغبون من كلّ جوانحهم أن لا يقع الخير الذي تمنّاه غيرهم، فهم يرجون الشّرّ للأمّة لتصحّ توقّعاتهم وما أساؤوا فيه الظّنّ.
وهناك قسم آخر من البشر، وهم قسم يكيل بمكيالين، ويزن بميزانين: ميزانُ ما يقوم به ويؤيّده، وميزان ما يقوم به غيره أو يؤيّده غيره، (والتأييد جانب نفسي أكثر منه شرعيّ مبنيّ على دليل) : إن كان ما يقوم به ويؤيّده فهو لا يحسّ إلاّ بالجوانب الحسنة، ولا يرى إلاّ الجمال وعينه عن الأخطاء معطوبة وكليلة، فهو يحسِّن كلّ ما يقع ويُسبِغ الشّرعيّة على كلّ حدث، ويناور ليُثبِت مراده، وإن كان الآخر فهو على العكس تمامًا: تشكيكٌ دائمٌ ونقدٌ دائمٌ، وعيوب ظاهرة: وعين الرّضى عن كل عيبٍ كليلةٌ...
والجانب الصّحيح أن يكون الرّجل منصفًا في الحبِّ ومنصفًا في البغضاء: أحبِب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وابغض بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما.
لقد قاتل النّاس مع الأفغان وأحسَنوا فيهم الظّنّ إلى أبعد حدّ، فوقع بعض الخير وتخلّف بعضه فماذا كان؟.
لقد قاتل بعضهم مع عزّت بيجوفيتش في البوسنة، حيث جالسوه فرأوا فيه المسلم التّقيّ، وظنّوا (ظنّوا) فيه من الخير إلى أبعد حدٍّ، فهل كان أمرهم مبنيٌّ على الظّنّ أم على اليقين؟ فوقع بعض الخير وتخلّف أكثره فماذا كان؟.
لقد جاهد من جاهد، واجتهد من اجتهد، وهاجر من هاجر، وابتُلي من ابتُليّ، وتعلّم من تعلّم، واستُشهد من استُشهد، فهل هذا ممّا يؤسَفُ عليه أم أنّ هذه هي الحياة التي ينبغي أن يعيشها أهل الإسلام؟.