فهرس الكتاب

الصفحة 517 من 611

فالمؤمن لا يتقعّر، ولا يداري ليستر الحقيقة، ولا ينشغل بالحدِّ عن المحدود، أي باللفظ عن الحقيقة، ولا بالاسم عن المسمّى، بل هو يفهم من القول أن يتحرّك ليذبح بقرة، أمّا كون لفظ الذّبح له معنىً خاص ووقع خاص وله شواهد في لغة الشعراء، فهذا لا يفكَّر فيه ابتداءً، بل يستقرّ في قلبه إرادة الحركة لتحقيق الفعل: أن يذبح بقرة. هكذا يتلقّى المؤمن أمر الله تعالى، يتلقَّاه ليعمل به، فإذا عمِل به شعر بحلاوة الإيمان في قلبه، وازداد ألقُ العلم في نفسه، وفتح الله عليه المعارف التي تؤيّد صلته بالله تعالى.

أمّا اليهود، أهل السّفسطة والجهالة، فكان وقع الأمر عليهم على صورة أخرى:

هذا أمر جميل، لكن لا بدّ أن نوقعه على طريقة لا تتلاءم مع ما يفهمه (النّاس) ، فالسّاذجون هم فقط من يفهم البقرة أنّها البقرة، فهل كلّ بقرة تصلح لأن تقدّم لتنفيذ أمر الله، فتعالوا إذن نسأل عن البقرة؟.

كان شأن اليهود يوم ذاك أنّهم يعيشون وبين يديهم نبيٌّ يوحى إليه، فصاروا يدورون ويحاورون حول صفة البقرة، لكن لنتخيّل أمر أولئك اليهود في زمن لا يوجد فيه نبيّ.

قيل لهم: {إنّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} ، فماذا سيقول أصحاب السّفسطة (أو السّفهاء كما سمّاهم القرآن) : قَطعًا سيجلسون أمام هذا الأمر محرّفين ومؤوّلين لحقيقته لصرفه عن كونه دافعًا لهم للعمل والامتثال، ولكنّه كلّما ابتعد المرء عن الحقيقة الأولى التي تستقرّ في ذهنه فلا بدّ أن يزداد رهَقًا وتعبًَا، فلمّا زاد اليهود في السّؤال ازداد ضيق الأمر عليهم {فذبحوها وما كادوا يفعلون} .

قيل لهم: آمنوا كما آمن النّاس.. قالوا: أنؤمن كما آمن السّفهاء.

هي كما ترى أخي في الله تقع على معنيين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت