إنّ السّنن الإلهيّة لا تُحابي أحدًا ولا تتخلّف لأمنية رجلٍ كائنًا من كان، وهذا من تمام رحمة الله بعباده، فإنّ الدّنيا دار سنن لا يجوز تركها أو معارضتها، فهي تطحن من وقف أمامها أو تلعّب بها أو تغاضى عنها بحجّة انشغاله بصلاح قلبه أو بأوراد ذكره وعبادته، والغفلةُ داءٌ مُهلك وهو يعتري أكثر طيّبي القلوب من هذه الأمّة، وكان من شكوى أهل الحديث في تحقيقهم لصحّة الأحاديث أنّ أكثر الأحاديث الصّحيحة تسري بين هذا الصّنف من النّاس، ولذلك صحّ عن الإمام مالك - رحمه الله تعالى - قوله:"إنّي لأردّ أحاديث أقوام وأرجوا دعاءهم لي"، فهو يردّ حديثهم لغفلتهم ويقبَل دعاءهم لكثرة ذكرهم وعباداتهم، ومن هنا وقف الكثير من النّاس موقف العداء من النّاصحين لإخوانهم بإحسان العمل وإتقانه على وجه يتطابق مع سنّة الله تعالى بحجّة أنّ هذا لا يُعرَفُ من فقه السّلف، وفقه السّلف هو ليس فقه أهل الفقه والحديث، فإنّ هذا فقه الأحكام الشّرعيّة، أمّا كيف يكون العمل موافقًا لسنّة الله التّكوينيّة فهذا يُرجَع فيه إلى أهل الخِبرة والتّجربة ممّن درسوا هذا العمل وعرفوا تكوينه على وجهٍ يوافق الوضع الإلهيّ له في قَدَرِه وخلقه، وعلى هذا ففِقه السّلف الحقيقيّ في هذا الباب هو فقه الصّحابة رضي الله عنهم لأنّهم هم وحدهم مَن جَمَع الإتقان السننيّ للكونيّات والفَهمَ السّننيّ للشّرعيّات فاستحقّوا الولاية الدّينيّة والولاية الكونيّة، وما حدث بعده هو الافتراق بين هاتين الولايتين كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ولهذا واجب على أهل الولاية الكونيّة أن لا يتمادوا في دراساتهم بعيدًا عن أهل الولاية الشّرعيّة، ولا أهل الولاية الدّينيّة أن يترفّعوا عن الإذعان والتّعلّم من أهل الولاية الكونيّة، وأنّه لا يصحّ ولا يكون رفعة الإسلام إلاّ باجتماع هاتين الولايتين، واجتماعهما في شخص واحد في مثل هذه الأزمان اجتماع صعب، ولكنَّ رحمة الله