أمّا هذه الأيّام فالأمر جدُّ مخزٍ ومُتعب، كلّ فريقٍ رضيَ لنفسه الإمامة النّاقصة فوقع المحظور بتخلُّف النصر الإلهي والوعد المرتجى، ولن يكون للأمّة قيامًا ورفعة إلا بعقل جمعي يُشرك غيرَه في الشُّورى والبحث ويكون رأيه ملزمًا في ما يَفهَم فيه ويُتقنه، فليس هذا عصر الرَّجل الذي يعادِلُ ألفَ رجل، وليس هذا زمان الرَّجل الذي يكون صَوتُه في الجيش خيرّ من ألف رجل مع أنّ وجود هذا الرجل ضروري وواجب في الجيش والحركة، ولكنَّ فهم مثل هذه الأحاديث على درجة االاستقلال في تحقيق النّتائج هو فهم صبيانيّ وساذج، فإنّ الشجاعة هي قوَّة الإرادة وهي شِقٌّ من شقَّين لتحقّق العمل ووقوعه والشق الآخر هو القوّة، بل إنّ الإرادة القويّة لا تَنتُج إلاّ بشقّين هما قوّة الرَّغبة والعلم، إذًا فقُوَّة جَنَان الرجل وشجاعته هي جانب وحيد من جوانب متعدّدة في تحقيق النصر أو الوعد الإلهي، فانظر لهذا وتفكّر فيه، وإيّاك والشِّعارات التي لا تُسمِن ولا تُغني من جوع وعليك بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم فإنّهم هم الرّجال، وهم الّذين يُقتدى بهم في فهم دين الله تعالى وكيف يتحقّق في الأرض.
لقد كتَبَ من كَتَبَ من الأوائل في إبراز عامل الشّجاعة وحب الدّار الآخرة في تحقيق النّصر وقلّما رأينا من كتَب في إبراز عامل الفهم والتّعامل مع السّنن الإلهية والقيادة الواعية في تحقيق هذا النّصر، ومن هنا فالمعركة إدارة وليست طلقات فقط وتحسم المعركة، ولكنّها طلقاتٌ تسير ضمن قانونٍ سننيٍ دقيق تجمع معها إدارة شاملة وحنكةً راقيةً ووعيًا رفيعًا وهدايةً ربا نيّة ودعاء مظلومين والْتِجاء صالحين لسيّدهم في الأسحار كل هذه أجنحة مهمّة لتحقيق الموعود الإلهي.