هذه البداية الصّغيرة تطوّرت في تفسير أحداث الكون حتّى صار مشهودًا بين النّاس المثل القائل: لو رأيت السّمك يُقتل في البحر ففكّر بالإنجليز. ومع قليل من التّهويل صار المسلم كلّما قرع له بالشّنان فكّر بالأيدي العميلة المدبّرة لأحداث الكون وأحداث الحياة، فليس هناك ثَمّ صغيرةٍ أو كبيرةٍ فوق هذه الأرض وفي داخل البحر إلاّ وللدّول الكبيرة لها فيها يدٌ، وصار المجتهد الجهبذ هو من يُبعد لك النّجعة في تحليل الخبر وتفسيره ضمن هذا السّياق في فهم هذه الأحداث، وهناك بعض الكتب ساهمت في صنع هذه العقليّة بغضِّ النّظر عن صواب بعض أحداثها وتحليلها أم لا، مثل كتاب «حكومة العالم الخفيّة» وكتاب «أحجارٌ على رقعة الشّطرنج» ومثلها كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون» وكتاب «لعبة الأمم» وغيرها من الكتب، فإنّ هذه الكتب أوحت لقارئها (المؤمن بما فيها) أنّ أحداث الكون بصغيرها وكبيرها هي مُحاطة ومرسومة من قبل عالم خفيٍّ!، بعضهم أطلق عليه الماسونيّة وبعضهم قال هي حكومة أندية الرّوتاري وغيرها وغيرها الكثير، وعقليّة المسلم المتخلّفة رأت في نفسها التّطوّر للخروج من تحليل الأحداث على قاعدة الجنّ والشّياطين إلى عالم المؤامرة والحكومات الخفيّة، فبدل أن تكون صوفيّة متخلّفة تُحلّل الأمور أنّها من فعل الجنّ والشّياطين فهذا تخلُّف، فالعِلميَّة هي تسمية هذا العالم بالحكومة الخفيّة.
وقبل أن أتمّم فكرتي فإنّي مضطرّ أن أقول معتقدي قبل أن يرفع بعضهم في وجهي الكرت الأحمر فيُفهم من كلامي أنّي أنفي عالم الجنّ والشّياطين وأنَّ لهما صلة بواقعنا، أو يُفهم من كلامي أنّي أنفي مبدأ وجود الأعداء المخطّطين ضدّ الإسلام وأهله، فأنا بفضل الله تعالى مازلت في مكاني لم أبرح عليه عاكفًا.