فهرس الكتاب

الصفحة 554 من 611

أمّا الثّانية فهي أنّ حركة الإنسان لا تقع إلاّ بإرادة وهذه الإرادة تتكوّن من قوّتين اثنتين هما: قوّة العلم وقوّة الدّافع، فحاجة المرء إلى شيء من الأشياء قوّة تدفعه لتحقيق هذه الحاجة، وهذه الحاجة استقرّت النّفس على معرفتها معرفة حقيقيّة قويّة، ففساد المرء (أي فساد عمله) إمّا أن يقع من جهة العلم، وإمّا أن يقع من جهة الدّافع. وصلاح العِلم يوجِدُ صلاح الدّافع وقد يفترقا كما هو شأن المُبتدعة الذين يريدون تحقيق الرّضى الإلهيّ ودُخول جنّته بعلمٍ باطل فاسد (أي بالجهل) كما قال تعالى: {هل أتاك حديث الغاشية% وجوه يومئذٍ خاشعة% عاملةٌ ناصبة% تصلى نارًا حامية} فهذه نفسٌ عاملة لكنّها لا تبلغ هدفها لأنّها تعمل بِجَهل كما هو شأن رهبان النّصارى وعبّاد الصّوفيّة وأمثالهم، وقد يقع العلم الصّحيح مع الدّافع الباطل كما هو شأن علماء السّوء ممّن يعوِّقون الحقّ ويأكلون به أموال النّاس بالباطل كأحبار اليهود من الأمم السّابقة ومن سار على دربهم من علماء المسلمين ممّن يبيعون دينهم من أجل أعراض الدّنيا الفانية.

فَرُكْنا الضّلالة هما الجهل والهوى، فلا يُمكن أن تستقرّ المعصية (الهوى) في الأرض إلاّ بتبرير صاحب الجهل لصاحب الهوى. وليس الجهل ههنا عدم العلم فقط ولكنّ الجهل ههنا هو ما يتعلّق بالعلم من فساد، فأيّ فسادٍ لحق بالعلم انقلب العِلم إلى جهل سواء لحق الفساد من جهة ترك العَمَل أو من جهة اتّباع الهوى أو من جهة التَّأويل الفاسد أو من جهة معرفة الحقِّ والحِيَدَة عنه فكلّ هذا وغيره يَقلب العلم الصّحيح إلى جهل وظنّ.

إذا عرَفنا هذا علِمنا لماذا يَحرص أصحاب الأهواء من السّلاطين والحكَّام دائمًا على اصطحاب أصحاب العمائم، ولماذا يُنفقون عليهم الذَّهب ويوسّعون لهم في المجالس.. السبب هو أنّ معصية الحاكم وأهوائه لا يمكن لها أن تدوم وتستقرّ إلاّ بوجود هذا الجاهل (العارف) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت