وهاهنا لا بدّ من أمرٍ نذكره وهو أنّ هذه المعاصي (أسباب الهزيمة) لا بدّ أن يكون لها من ارتباط سننيٍّ مع الهزيمة. أي أنّها ليست مطلقَ المعاصي والذُّنوب لكنّها المعاصي التي لها علاقة في الحرب والقتال مثل: ترك التّدريب، والإعراض عن الجماعة، وعصيان الأمير، وترك الأخذ بالسّنّة القدريّة كعدم تعيين صاحب الأمر المفيد في بابه، وهذا لا يعني التّقليل من شأن الذّنوب الأخرى لكنّ تأثيرها على نتيجة المعركة تأثير غير مباشر بخلاف الذّنوب التي لها علاقة مباشرة بعمليّة الجهاد والقتال، ولذلك من إبعاد النّجعة حين نبحث عن أسباب الهزيمة في معركة من المعارك وموقع من المواقع أن نذهب فنعدّد معصية عدم صلة الرّحم، أو معصية أكل مال اليتيم كأسبابٍ لحصول الهزيمة ونترك الأسباب المباشرة لحصول الهزيمة، فلا بدّ أن ننتبه إلى العلاقة القدريّة بين السِّبب والمسبِّب، بين العمل والنّتيجة، بين الذّنب والهزيمة.
قال تعالى: {إنّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شِيَعًا يستضعف طائفة منهم يذبِّح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنّه كان من المفسدين} [القصص] .
في هذه الآية من سورة القصص يبيّن الله سبحانه وتعالى أسلوب الطّاغوت في فرض ألوهيّته على الخلق، وكيف حصل له العلوّ والإفساد، والعلوّ في القرآن مقارن للفساد: قال تعالى: {وقضيْنا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتُفسدُنّ في الأرض مرّتين ولتعلُنَّ علوًّا كبيرًا} [الإسراء] .
قال تعالى: {علا في الأرض وجعل أهلها شِيَعًا} فأوّلُ أمرٍ فعله لاستتباب حكمه وإفساده هو تفريق النّاس فجعلهم شيعًا.