واللفظ القرآنيّ {جعل أهلها شيعًا} فيه من الدّلالات العميقة والتي تحتاج إلى كشفٍ وبيان: فقول الله تعالى: {شِيَعًا} دلَّ على أنّ فرعون لم يستخدم كثيرًا من القهر في تحزيبهم وتشتيتهم وتفرّقهم، بل استخدم شيئًا من المكر والدّهاء في إثارة عوامل التّفرّق الكامنة في نفوسهم، فالتّشيّع هو التّناصر على شيء، فشيعة الشّيء أتباعه وأنصاره، هذا التّشيّع حصل بإثارة كوامن ذاتيّة في النّفوس، فيها القبول الذّاتي بحصول التّشيّع أي الأتباع والأنصار، فصارت كلّ فِرقة تتّبع وتناصر شيئًا فيه الدّافع الذّاتيّ من المحسّن الخارجي، وإلاّ فلو كان فقط القهرُ الخارجيّ هو الذي صنَع الفُرقة لما جاء لفظ (شيّعًا) ولجاء لفظٌ غيره. ولكنّهم صاروا شيعًا بعاملٍ ذاتيّ فيه القُبُول الذّاتي والرّضوخ النّفسيّ لهذا المحرّض الخارجيّ وهو فساد فرعون.
وقد ذكر الله تعالى عقِبَ هذا قوله: {يستضعف طائفةً منهم يذبِّح أبناءهم ويستحيي نساءهم} وهاهنا لم يذكر الله تعالى شأن الذين اتّخذهم فرعون ليمارسوا القهر والذّبح والسّبي، فحيث اتّخذ طائفة لاستضعافٍ فإنّه ولا بدّ اتّخذ طائفة أخرى للاستكبار والاستعلاء.
والحديث هنا في ذكر القرآن لقصّة موسى عليه السّلام مع بني إسرائيل، ولكنّ الحديث القرآنيّ عنه في جعل النّاس شيعًا جاء عامًّا {إنّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا} .
هكذا هي سنّة الطّاغوت في استتباب ملكه وتجذير شرّه في النّاس: أن يكون النّاس شيعًا، التّفرّق والتّنازع والتّعدّد.