على أيّ حساب وضعنا هذه المقارنة فسيكون خيارُ أهل الثّقة بهذا الدين هو خيارُ الذين باعوا أنفسهم لله وارتقبوا في كلّ لحظة التّخطّف من الأرض، واللحوق بالصّادقين من هذه الأمّة، هناك فرق بين التاجر مع الله والتّاجر مع المال والدّينار، وهناك فرق بين الحِكمة المزعومة المكذوبة وبين الحِكمة التي تحمل في طيّاتها أوّل ما تحمل كلمة الحقّ لأنّ الحقّ هو الحِكمة، والحِكمة هي الحقّ. هي قاعدةٌ يعرفها أهل الإسلام لكنّهم يحاولون نسيانَها، {ولن تَرضى عنك اليهودُ والنّصارى حتّى تتَّبِع ملّتهم} . أليست هذه آية مُحكمة وهي قاعِدة في حصول الصّراع بين الحقّ والباطل، وأنّ هذا الصّراع سيبقى قائمًا مادمت مفارقًا لباطلهم، ولن يسكتوا عنك حتّى تكون مثلهم.
إنّ خوف حصول البلاء معناه ترك سبيل الله، وإنّ سلوك سبيل الله معناه وقوع البلاء، أمّا أن تسلك سبيل الله ثمَّ تطلب حصول الأمان والرّضا والاستقرار فهذا لعُمري في الحياة عجيب.
إنّ قاعدةَ التّبرير بعد التّقصير يتقنها كلّ واحد. وهذا هو القرآن الكريم مليء بحجج المنافقين وبحجج تاركي الحقّ، لكنّها وإن تقنّعت بقناع الحكمة والتّروِّي والتّبصّر، فإنّها مكشوفة عند أصحابها وعند أهل البصيرة وقبل ذلك عند علاّم الغيوب.
ترقيق العبارة وسلوك سبيل السّلامة معناه في لغة الدّعوة والبيان في هذا الزّمان ترك ما هو حقّ لترضى عنك طوائف الشرّ من كفرةٍ ومشركين ومبتدعةٍ وغيرهم.
وقد يظن الجاهل المتلعِّب أنَّ سلوك سبيل كلمة الحق معناه البحث عن الهلكة أو... أو... ونسي أن العلاقة بين كلمة الحق وبين البلاء علاقةُ تلازُم لا انفكاك بينهما.
وعلى كل حال فمبروك لهم طرائفهم التي ستؤمِّن لهم الأمن والدعة، ولكننا رضينا هذا الطريق فسنسلُكه حتى النهاية.