(أولًا) إن مما طمّ وعمّ أنّ أغلب النّاس - إلا من رحم الله تعالى - لم يعد يميّز بين الخطيب المفوّه، صاحب الصّوت الجهوري، وبين العالم، ولأن النّاس على الأغلب لا يترددون إلى مساجدنا إلاّ يوم الجمعة، وأيّام الدعوة إلى النّدوات الّتي تسمّى بالنّدوات الفكريّة، ولأنّهم كذلك ما عادت تشغلهم أحكام الدّين وشرائعه بمقدار انشغالهم بسماع التّحليلات السّياسية، أو الأخبار والحكايات، وصار فرحهم يشتدّ، وغبطتهم تظهر بمقدار ما يرون ويسمعون من صوت عال، أو شتم لفلان وعلان، وهذا جرّ على النّاس خراب أمزجتهم ورداءة أحكامهم على الأشياء والأفعال، فأعرض النّاس عن الدّراسات الهادئة، والأبحاث العلميّة، والتّقريرات الشّرعيّة، وأقبلوا على هؤلاء القوم الّذين يتقنون فنّ الصّخب الهادر، و الأصوات المرتفعة، وأعرضوا عمّن يحملهم إلى العمل ويحضّهم على الشّريعة، ويبيّن أحكام الدين والفقه.
وعلى هذا صار أهل المنابر قسمان:
1 -أصحاب الطحن بلا طحين، والكلام الكثير بلا علم ولا فقه، بل هو بدل أن يدفع النّاس إلى الكتاب، والسّنّة، وبدل أن يزيّن خطبته بالعلم الحقّ - الكتاب والسّنة - صار جريدة جديدة تسمّى (جريدة المنبر) ، فقبل أن يصعد المنبر يختار هذا الخطيب لنفسه خبرًا صحفيًّا ويعلّق عليه، وتروج تجارته، وتنفق بضاعته حين تنزل بالمسلمين نازلة، أو يكتشف مؤامرة وهميّة سرّبت إليه، فحينئذٍ هذا أسبوع الفرح لأنّه وجد لنفسه مادّة دسمة لخطبته، وبها يستطيع أن يشدّ الآذان إليه، ومنها ينطلق إلى عالم النّجوميّة والشّهرة، هؤلاء على الجملة من أكثر النّاس حذرًا في إطلاق الأحكام الشّرعيّة المحددة، بل كلامهم دائمًا في العمومات، التي لا يستطيع النّاس بها أن يلزموهم بموقفٍ يؤخذ عليهم، فهؤلاء القوم هم أهل العلم عند بعضهم.