2 -لمّا رأى بعض طلبة العلم فساد أمزجة النّاس بسبب القسم الأول من الخطباء، ثمّ إعراض النّاس عن الفقه والعلم، ورأوا أن الحديث في المنابر صار على صورة جريدة أسبوعية، هالهم هذا الأمر ودفعهم إلى موقف مضادّ، ومختلف مع الأول في كلّ شيء، هذا الموقف هو: عدم الكلام إلاّ فيما يخصّ الفرد المسلم، أي: فيما يجهل من أحكام الدّين والفقه العامّة، فهو يأبى أن يتحدّث إلاّ في برّ الوالدين، وآداب الزّيارة الشّرعيّة، أو أحكام العقيقة وبدعة صوم النّصف من شعبان، وقد يتقدّم قليلاّ فيحدّث النّاس عن الأوائل وفتوحات الآباء، وزمن العزّة، وهكذا.
ولم يعد المسلم العاديّ إلاّ ألعوبة بين هذا وهذا، وعامّة الخطباء يتجنّبون البحث والكلام في الأحكام الشّرعيّة التي تلزِم المسلم بموقف محددٍ من أحداثٍ معاصرة عمّ بلاؤها الصّغير والكبير، وربي عليها المسلمون حتّى صارت جزءًا من حياتهم، فمن القليل النادر أن تجد الخطيب الّذي يقدّم للنّاس الأحكام الشّرعيّة التي تلزمهم بموقفٍ محدّد من نوازل الحياة العامّة، أو التي تدفعهم إلى حركة شرعيّة منضبطة، فأين الحديث عن حكم المبدّلين لشرع الله؟ وأين الحديث عن وجوب جهادهم قبل جهاد الكفّار الأصليين؟ وأين الحديث عن عدم جواز الدخول في وظائف طائفة الردّة كالدخول في البرلمانات أو الشّرطة؟.