ومن غرائب هؤلاء الشّيوخ وعجائبهم وكذلك من غرائب تلامذتهم أنهم إذا سئلوا عن الأمور العظيمة في الحياة لم يتورّعوا أبدًا في الخوض فيها بألسنتهم السّرطانية الطّويلة، وتكلّموا فيها وهم لا يدرون شيئًا، وخاضوا فيها وهم من أبعد النّاس عنها فهمًا ومعرفة.
على ضوء هذا التّفكير المنحطّ، وهذا السّلوك الجاهل، أفرز في عالم المسلمين ثنائيّات لم تكن معروفة لدى الأوائل، وقد حاول بعضهم بشيء من التعالم الغثّ أن يجعل هذا من وضع الاختصاص المعاصر الذي لا بدّ منه، مع أنّ هذا الاختصاص إذا وقع فقد كلّ طرفٍ ما حمّل من خصوصيّات.
هذه الثّنائيّات هي:
أوّلًا: التّفريق بين السّياسيّ والفقيه: فالسّياسيّ عند النّاس هو البصير بأمور الحياة، القادر على تفسير أحداثها، وهو من يستشار ويسأل عن تفسير الكونيّات والوقائع، وهو كذلك من له حقّ قيادة الحياة ورعاية شئونه، وهذا من خلال ما أعطي من قدرات سياسية، وأما الفقيه فهو حبيس الكتاب ولا يسأل إلاّ فيما يخصّ الغيب، فالسّياسيّ له عالم الشّهادة، والفقيه له عالم الغيب، وهذه ثنائيّة باطلة لم تكن معروفة لدى الأوائل، بل إنّ كلمة الفقه لا تقع إلاّ إذا اجتمع أمران:
أولاهما: إدراك الحياة على ما هي عليه، ومعرفة أحداثها، وهذا من أعظم الفقه، فإنّ الله تعالى قال: {وتلك الأمثال نضربها للنّاس وما يعقلها إلاّ العالمون} العنكبوت، فالعالم هو من فسّر الأمور على طريقة سننيّة لها تمام الوضوح في عالم الشّهادة، ولا تغيب عنه الآخرة، فهو الجامع بينهما.
وإنّ من طامّات مشايخنا في كلامهم عن وقائع حياتنا أنهم يعتمدون على مبدأ الكشف الصّوفي، ولا ينسون أن يفتح الله عليهم بالفهم في تفسير الأحداث، وهذا كلّه باطل من القول وزور فإنّ معرفة المرء للحدث لا تقع على وجهها الصّحيح إلاّ إذا درسه دراسة عقليّة سننيّة، ونظر إليه كما هو في عالم الشّهادة، فحينئذٍ ينطلق إلى الأمر الآخر وهو: