ثانيهما: معرفة حكم الله في هذه الواقعة، أي يأتي بعد ذلك الحكم الشّرعي، ولا يمكن لأحدً أن يطلق حكمًا شرعيًا صحيحًا إلاّ إذا فهم الواقع فهمًا صحيحًا، فالخلق أوّلًا، ثمّ الشّرع، قال تعالى: {ألا له الخلق والأمر تبارك الله ربّ العالمين} الأعراف. وبعد أن يدرك تطابق الخلق والأمر لابدّ أن تصدر منه كلمات التّسبيح والتّعظيم والتّقديس، فيزداد يقينًا بحكمة الخالق، وتترسّخ مبادئه في حكمة الشّريعة حينئذٍ تخرج منه {تبارك الله ربّ العالمين} . صلى الله عليه وسلمفلو أننا قلنا إنّ السّياسي هو من أدرك الأمر الأوّل فقط (عالم الشّهادة) وغاب عنه الأمر الثّاني (معرفة حكم الله فيه) فإنّ هذا لن يكون سياسيّا مسلمًا، وستنطلق رؤاه في التّعامل مع الأمور على مبدأ المنفعة الّتي ليس لها ضابط سوى النّظر إلى الفرديّة الذاتية، أو الشّهوة الّتي يعود مآلها إلى فساد الحياة، وإذا قلنا إنّ الفقيه هو من أدرك الحكم الشّرعي دون معرفته بوقائع الحياة على ما هي عليه فسيكون علمه هذا حبيس ذهنه وعقله، وليس له من أمر الحياة شيء، حينئذٍ سيقتصر دوره على الوعظ الكنَسيّ الّذي يحتاجه النّاس يومًا في الأسبوع لتخرج منهم زفرات الضّيق ارتقابًا بانتهاء غثائيّة الشّيخ.