وذاك هو السر الذي اكتشفته يا سقراط لتستعمله في نصب اشراكك وفخاخك في المحاورة، حتى إذا تكلم أحدنا مشيرًا إلى القانون، سألته أنت بالإشارة إلى الطبيعة، وإذا تحدث عما هو كائن في نظام الطبيعة سألته مشيرًا إلى القانون، وهكذا فعلت مثلًا في الظلم المرتكب والمتحمل، إذ بينما كان بولوس يتكلم عن الأقبح تبعًا للقانون، كنت أنت تتابع المناقشة مشيرًا إلى الطبيعة، لأن كل ما هو (أردأ) في نظرها هو أيضًا (الأقبح) مثل احتمال الظلم، بينما (الأقبح) تبعًا للقانون هو (الارتكاب) لا الاحتمال، والواقع أنه ليس من طبيعة الإنسان الحر أن يحتمل الظلم، وإنما ذلك من طبع العبد الذي يرى أن الموت أفضل من الحياة، والذي يؤثر ألا يدافع عن نفسه وهو محتقر مكلوم، وألا يدافع أيضًا عمن يهمه أمرهم؛ ولكني أرى أن الضعفاء والسواد الأعظم هم الذين سنوا القوانين! وهم لذلك قد جعلوها لأنفسهم ولمصالحهم! لهذا تراهم لا يوزعون ثناءهم ومديحهم، أو لومهم وعتابهم، إلا من أجل ذلك الصالح الخاص ولكيما يخيفوا الأقوياء - وهم أولئك الذين يستطيعون أن يعلوا عليهم - ولكيما يحولوا بينهم وبين ذلك العلو، تراهم يقولون أن الظلم والعار في الطمع فيما هو أكثر من نصيبك، وإن الظلم إنما يقوم في الرغبة في امتلاك شيء أكثر مما يمتلك الآخرون؛ وإني لأتخيلهم يرضون ويقنعون بأن يكونوا على قدم المساواة مع من هم أفضل منهم! وذلك هو السبب في أنهم يقررون في عالم القانون أن الطمع في إحراز ما هو أكثر من النصيب العام للأفراد ظلم وقبح! بل ذلك هو ما يسمونه (بالظلم) ! ولكني أرى أن الطبيعة نفسها تعلن أن العدل إنما يقوم في أن ينال الأحسن أكثر من الأسوأ، والقوي أكثر من الضعيف، وإنها لتقدم لنا ألف مثال لتثبت أن الأمر كذلك، لا في عالم الحيوان فحسب، بل في النوع الإنساني أيضًا بين المدن والأجناس جميعًا، حيث نستطيع أن نتبين أن العدالة تبغي أن يسود (الأقوى) على (الأقل قوة) وأن ينال نصيبًا أوفر من نصيبه. فمثلًا بأي حق في الواقع قام بالحرب في بلاد الإغريق؟ وبأي حق قام بها أبوه في هذا إذا تركنا الأمثلة اللانهائية التي نستطيع أن نذكرها من ذلك النوع. إنهم يعملون فيما أرى تبعًا لطبيعة (الحق) ! وقسما بزيوس، تبعًا (لقانون الطبيعة) الذي ربما خالف قانون الناس!
(يتبع)
محمد حسن ظاظا