فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 18270 من 36878

وعلى الرغم من أن المذهبين الكوفي والبصري قد هيمنا على أكثر آراء النحاة، لكن بعض النحويين قد تفرّد برأي خاص له في هذا الباب، فمنهم المبرّد (ت 285هـ) حيث يرى أن حروف الخفض يبدل بعضها من بعض إلا أنه اشترط أن يأتي الحرفان في معنى واحد في بعض المواقع {الكامل في اللغة والأدب، 2/ 82} ، وقال ابن السراج (ت 316 هـ) :"فهذه حقيقة تعاقب حروف الخفض فمتى لم يتقارب المعنى لم يجز" {الأصول في النحو، 1/ 414 - 415} .

وقد كان ابن السِّيد البطيوسي أكثر توضيحًا لهذه الظاهرة وبخاصة شرط تقارب الحرفين يقول في ذلك:"هذا الباب أجازه قوم من النحويين أكثرهم من الكوفيين، ومنعه قوم أكثرهم من البصريين، وفي القولين نظر؛ لأن من أجاز دون شرط وتقييد، لزمه أن يجيز سرت إلى زيد، وهو يريد مع زيد قياسًا على قولهم:"إن فلانًا لظريف عاقل إلى حسب ثاقب"أي: مع حسب، ولزمه أن يجيز (زيد في عمرو) أي: (مع عمرو) ... هذه المسائل لا يجيزها من يجيز إبدال الحروف، ومن منع ذلك على الإطلاق لزمه أن يتعسف في التأويل لكثير مما ورد؛ لأن في هذا الباب أشياء كثيرة ييعد تأويلها على غير البدل."

ولا يمكن للمنكرين لهذا أن يقولوا إن هذا من ضرورة الشعر لأن هذا النوع قد كثر وشاع، وأنه يخصّ الشعر دون الكلام فإن لم يصح إنكار المنكرين له، وكان المجيزين له لا يجيزون من كل موضع، ثبت بهذا أنه موقوف على السماع غير جائز القياس عليه. {الاقتضاب، 1/ 338 - 339}

ونورد تاليًا أمثلة من القرآن الكريم يرى بعض النحاة والمفسرين بأنها من باب التناوب، ثم نقفّيها بأمثلة وردت في تراث لحن العامة يرى بعض اللغويين أنها من باب التناوب ..

فقد جعل مفسرو الذكر الحكيم من التناوب قوله تعالى: (ومن أهل الكتاب من أن تأمنه بدينار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك (( آل عمران: 75) ، قال الطبري (ت 310 هـ) إن الباء في قوله (بدينار) وعلى يتعاقبان في هذا الموضع كما يقال مررت به ومررت عليه." {تفسير الطبري، 3/ 315} ."

ومن ذلك قوله تعالى: (ينظرون من طرف خفي) {الشورى: 45} فقد قال بعض النحاة إن (من) تنوب عن (الباء) {انظر: البرهان للزركشي 4/ 445} وروى بعض النحاة عن العرب أنهم يقولون: (ضربته من السيف) أي بالسيف، إلا أنه ذكر أنه يحتمل أن يكون لابتداء الغاية. {معاني القرآن للأخفش،3/ 86 - 87} .، وذكر آخر: أنه يجوز في (من) أن تكون لابتداء الغاية، وأن تكون تبعيضية، وأن تكون بمعنى (الباء) وبكل قد قيل. {الدر المصون، 6/ 86}

ومما جعله بعض النحاة من التناوب قوله تعالى: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة) {آل عمران / 123} فيرى العكبري في قوله تعالى (ببدر) أن (الباء) بمعنى (في) {التبيان، 1/ 231} ومن ذلك قوله تعالى: (إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر) {القمر،/34} أي في سحر، ومما ورد في تراث لحن العامة:

.بنى بأهلِه:

وهذا التركيب ذو صلة بعرف اجتماعي عربي، وأصله أنه من أراد أن يدخل بزوجته بني عليها قُبّة، فقيل لكل داخل:"بان" {درة الغواص، 205} ، وقد رفض الحريري، وابن الجوزي هذا التركيب بصيغته هذه ورأيا بأن الصواب أن يقال: (بنى على أهله) ، لكن ما ذهب إليه الحريري لم يلق قبولًا عند الشهاب الخفاجي، فقال:"ما أنكره لا شبهة في صحته فإنه بمعنى دخل بها فيتعدى تعديته لتضمنه معناه، وقال ابن برّي غير منكر، لأن بني بها بمعنى دخل بها وقال (ابن قتيبة) : يقال لكل داخل بأهله بانٍ، والباء وعلى قد يتعاقبان على معنى واحد، نحو أفاض بالقداح وعليها" {شرح درة الغواص، 205} وجاء في القاموس المحيط:"بنى على أهله وبها زفّها كابتنى" {الفيروزأبادي، 632} .

.جَلَس على بَابِه. ورد هذا التركيب عند ابن هشام اللخمي وذكره الحريري، وهما متفقان على منعه، ويريان الصواب أن يقال: بنى على أهله، وعلة المنع عندهما: لئلا يتوهّم السامع أنّ المراد به: استعلى على الباب وجلس فوقه {درة الغواص، 205}

وقال الخفاجي في ردّه على الحريري: وهذا أيضًا ليس بشيء، فإنّ الباء مثل حرف الاستعلاء فيه كقولهم: مررت على فلان ومررت بفلان، وأما توهّم خلافه فلا يخطر ببال عاقل" {شرح درة الغواص، 607 - 608} ."

.رضى الله عليك. ورد هذا التركيب عند البطليوسي في كتابه الاقتضاب {1/ 340} وقد تأولّه قائلًا: إنما عُدّى رضي بـ (على) لأن الرضا يعنى الإقبال.

واستدل بقول الشاعر: [من الوافر] .

لعمرُ اللهِ أعْجبَني رِضَاها

إذا رضيت عليَّ بنو قُشيرٍ

وبعد: فأمر التناوب ينبغي أن يوقف عنده، فهو عند جمهرة من المتقدمين من علماء العربية والمتأخرين والمعاصرين سائغ ومتقبل، وأساليب منه لغة سائرة في عصرنا الحاضر،

فمن الناس من يقول: اتصلت عليك، بدلا من اتصلت بك، ومن الناس من يقول: مررت عليك، بدلًا من مررت بك، ومنهم من يقول: حَرَص بمالِه، وعَاج بالمكان.

وبالجملة لا يمكن إلغاء النيابة على وجه الإطلاق أو قبولها على وجه الإطلاق أيضًا استنادًا إلى عنصر السياق أو التركيب الذي يرد فيه الحرف المعيّن، فبطريق السياق يمكن قبول النيابة في أكثر من موضع رفضه الرافضون، ويمكن من طرف آخر رفض مبدأ النيابة في تراكيب استدل المجوزون بها على صحة النيابة، والذي يباعد بين النيابة أو عدمها زيادة على مبدأ السياق هو القدرة على تأويل ما يمكن تأويله بعيدًا عن النيابة أو إلقاء ما يمكن إلقاؤه في باب التضمين، فإن تعذّر هذا وذلك يمكن التسليم بنيابة الحرف المعين عن الحرف المعين الآخر.

وهذا الذي سبق يساوق رأي محمد العدناني {معجم الأخطاء الشائعة ص، 90} الذي يجيز التبادل بين حروف الجرّ إذا لم يكن هناك لبس، ولكنه يُؤْثِر وضعها كما وردت في المعاجم مراعاة للدقَّة.

د. سالم البلوشي

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت