فأكثر) أعياه وأعماه وغباه وأغلقه وشدد الحال على الناظر فيه فقد لا يهتدي
لوجهه ولا للقدح فيه من جهة الجرح والتعديل , فصار الحديث شديد الاستغلاق
(عضيلًا) .
ثانيًا: قولهم:"حديث مُعضَل"اصطلاح لهم , ولا يلزم فيه المطابقة التامة
للمعنى اللغوي , بل يُكتفى بأدنى مناسبة له.
[تنبيه]
هل يصح وصف الحديث المُعضَل عند المحدثين بـ"المعضِل"من جهة
اللغة؟
قال صاحب الموعب ومغلطاي وابن حجر:
نعم ,
وهو من أعضَل الأمرُ إذا اشتد واستغلق , فهو معضِل وعضيل بمعناه ,
ويكون الفعل رباعيًا قاصرًا , كأشكل فهو مشكِل , وأظلم فهو مظلِم.
وأمر معضِل (عضيل) : أمر شديد لا يقوم به صاحبه أو أعياه وحيره أو
لا يهتدي لوجهه أو يغلب من يقوم به.
وهذه المعاني تتوفير فيما اصطلح عليه المحدثون بقولهم:"حديث معضَل".
وهل يصح وصفه بالحديث"العاضل"من جهة اللغة؟
قلتُ: نعم ,
من عضل الشيء: اشتد وغلظ , وعضلت الأرض: ضاقت ,
وعضلت المرأة: إذا غصّ ولدها في فرجها , فخرج بعضه دون البعض.
وهذه المعاني تتوفر في اصطلاح المحدثين حيث من عضل الحديث ضيق أمره
, وأخرج بعض السند دون بعض , وغلظ وشدد على الناظر فيه.
والخلاصة:
أن الأصل في قولهم حديث معضَل هو"حديث عضيل",
وعضيل إما أن ترجع في الاشتقاق إلى عضل أو أعضل أو أعضله ,
فلو رجعت إلى عضل فبمعنى اسم الفاعل عاضل.
ولو رجعت إلى أعضل , فبمعنى اسم الفاعل معضِل ,
ولو رجعت إلى أعضله , فمبعنى اسم المفعول معضَل ,
واستحسن غير واحد الأخير.
انتبه:
وقع في كلام جمع من المحدثين نحو:
محمد بن يحيى الذهلي و النسائي والجوزجاني و ابن عدي و الحاكم أبو أحمد
وابن عبد البر وأبو الفتح الأزدي.
إطلاق"حديث معضل"على ما اتصل سنده , فهل يقصدوا"معضَل"في
الاصطلاح؟
احتمله الحافظ على أن يكون معنى"معضَل"ليس المعنى الاصطلاحي ,
واحتمل أنهم يقصدوا"معضِل بكسر الضاد"على المعنى المبين سابقًا.
قلتُ: والثاني أقرب ويشعر به لفظهم.
انتبه:
يكثر النقاد من قولهم عن الراوي:"يروي المعضِلات", فهل يقصدوا
المعنى الاصطلاحي؟
لا , بل يقصدوا الأحاديث الأوابد أي الباطلة المنكرة.
والله تعالى أعلم , وهو سبحانه الموفق.
ونحن في انتظار نادرة أخرى , واعتذر على التأخر في الرد , فما هو إلاّ
اشتغالي بوضع الاختبارات.
ـ [درة النحو] ــــــــ [01 - 06 - 2009, 11:21 ص] ـ
رائعة هذه النافذة فيها كثير من الفوائد، والبحوث القيمة.
بارك الله في المشاركين والمتحاورين.
ـ [ابن القاضي] ــــــــ [01 - 06 - 2009, 06:20 م] ـ
بسم الله.
قلتُ , وبالله تعالى التوفيق والسداد:
أحسنت أيها المفضال , وأحسن الله تعالى إليك , ولا حرمنا فوائدك.
فقد أشرت إلى مبحث مهم عند علماء الحديث , ولم يغفلوا عنه , بل بحثوه ,
وأجادوا , وأفادوا , فلله درهم من علماء حديث وعربية.
أما ما سأل عنه أستاذي الكريم الحبيب , فأقول:
الحديث الذي سقط منه راويان فصاعدًا على التوالي أطلق عليه المحدثون
"الحديث المُعضَل"- بفتح الضاد - , ولم يشذ عنه واحدٌ , بل وقع اتفاقهم
عليه , وشاع وكثر تنبيههم إليه إذْ يقولون:"حديث معضل بفتح الضاد ,"
ومنهم يؤكد فيقول: لا بكسر الضاد ,
والسؤال هل الحديث بالمعنى المذكور يصح وصفه من جهة اللغة بـ""
المعضَل"؟"
استشكله العلامة ابن الصلاح رحمه الله تعالى فقال:"هو مشكل المأخذ من"
جهة اللغة","
ولكنه رحمه الله تعالى بحث عنه فأجاب ,وكذا غيره , وجوابهم:
المعضَل من أعضَلَه (رباعي متعدي لا قاصرًا) , فهو معضَل وعضيل
كما سُمع في أعقدت العسل , فهو عقيد بمعنى مُعقَد ,
وأعلّه المرض , فهو عليل بمعنى مُعَلّ ,
وفعيل بمعنى مُفعَل (اسم المفعول) من الرباعي المتعدي ,
والعضيل: المستغلق الشديد ,
وأعضله: أعياه أو أعماه أو غباه أو غمّه.
قلتُ: وتلك المعاني تستقيم مع قول المحدثين"حديث معضَل"على ما
اصطلحوا عليه ,
ووجهه: أن المحدث الذي أعضل الحديث(أسقط منه راويين على التوالي
فأكثر)أعياه وأعماه وغباه وأغلقه وشدد الحال على الناظر فيه فقد لا يهتدي
لوجهه ولا للقدح فيه من جهة الجرح والتعديل , فصار الحديث شديد الاستغلاق
(عضيلًا) .
(يُتْبَعُ)