فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 30055 من 36878

ـ [جمال حسني الشرباتي] ــــــــ [22 - 05 - 2006, 04:48 م] ـ

السلام عليكم

بارك الله بكم جميعا ---

نحن نقول بالمجاز ---ولا يعوزنا الدليل---وجميعنا نؤول قوله تعالى (وهو معكم أينما كنتم) ليعني معيّة العلم لا معيّة الذات---فإذا اتفقنا على هذا النص فما بال المخالفون يمنعون المجاز في مواطن أخرى---وقد روي أنّ الإمام أحمد رحمه الله لم يفهم الحديث"الحجر الأسود يمين الله على الأرض"على ظاهره---بل فهمه بالمعنى المجازي

على أية حال ---إسمحوا لي أن أنقل كلام شيخنا عبد القاهر الجرجاني في الموضوع---

قال (ومَن قدح في المجاز، وهمَّ أن يصفَه بغير الصدق، فقد خَبَط خَبْطًا عظيمًا، ويَهْرِفُ بما لا يخفى، ولو لم يجب البحث عن حقيقة المجاز والعناية به، حتى تُحصَّل ضروبه، وتُضبَط أقسامه، إلا للسلامة من مثل هذه المقالة، والخلاص ممَّا نحا نحوَ هذه الشُّبْهة، لكان من حقّ العاقل أن يَتَوفَّر عليه، ويصرف العناية إليه، فكيف وبطالبِ الدِّين حاجةٌ مَاسَّةٌ إليه من جهات يطول عدُّها، وللشيطان من جانب الجهلِ به مداخلُ خفَّيةٌ يأتيهم منها، فيسرق دِينَهُم من حيث لا يشعرون، ويُلقيهم في الضلالة من حيث ظنّوا أنهم يهتدون؟ وقد اقتسمهم البلاء فيه من جانبى الإفراط والتفريط، فمن مغرورٍ مُغرىً بَنَفْيِه دَفعة، والبراءة منه جملة، يشمئزُّ من ذكره، وينبُو عن اسمه، يرى أن لزوم الظواهر فرضٌ لازمٌ، وضرب الخِيام حولَهَا حَتْمٌ واجب، وآخرُ يغلُو فيه ويُفرط، ويتجاوز حدَّه وَيخبط، فيعدل عن الظاهر والمعنى عليه، ويَسُوم نفسه التعمُّق في التأويل ولا سببَ يدعو إليه. أمَّا التفريط فما تجد عليه قومًا في نحو

قوله تعالى:"هَلْ يَنْظُرُون إلاَّ أنْ يَأتِيَهُمُ اللّه""البقرة: 12"،

وقوله:"وَجَاءَ رَبُّك""الفجر: 22"،

و:"الرَّحْمن عَلَى العَرْش اسْتَوَى""طه: 5"،

وأشباه ذلك من النُّبُوِّ عن أقوال أهل التحقيق، فإذا قيل لهم: الإتيان والمجيء انتقال من مكان إلى مكان، وصفةٌ من صفات الأجسام، وأن الاستواء إن حُمل على ظاهره لم يصحّ إلاّ في جسم يشغَل حيِّزًا ويأخذُ مكانًا، واللَّه عز وجل خالق الأماكن والأزمنة، ومنشئ كل ما تصحّ عليه الحركة والنُّقلة، والتمكن والسكون، والانفصال والاتصال، والمماسَّة والمحاذَاة، وأن المعنى على إلاَّ أن يأتيهم أمرً اللَّه وجاءَ أمْرُ ربك، وأنّ حقَه أن يعبَّر بقوله تعالى:"فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَم يَحْتَسِبُوا""الحشر: 2"، وقول الرجل: آتيك من حيث لا تشعرُ، يريد أُنزلُ بك المكروه، وأفعلُ ما يكون جزاءً لسوء صنيعِك، في حال غَفْلةٍ منك، ومن حيث تأمن حُلولَه بك، وعلى ذلك قوله:

أَتَيْنَاهُم مِن أََيْمَنِ الشِّقِّ عندهُم

ويَأتِي الشقيَّ الحَيْنُ من حَيْثُ لا يَدْرِي

نعم، إذا قلت ذلك للواحد منهم، رأيته إن أعطاك الوِفاق بلسانه، فبين جنبيه قلبٌ يترددّ في الحيرة ويتقلّب، ونفسٌ تَفِرُّ من الصواب وتَهْرُب، وفكرٌ واقف لا يجيء ولا يذهب، يُحْضِره الطبيبُ بما يُبرئه من دائه، ويُريه المرشدُ وجه الخلاص من عميائه، ويأبَى إلا نِفارًا عن العقل، ورجوعًا إلى الجهل، لا يحضره التوفيق بقَدْر ما يعلم به أنه إذا كان لا يجري في قوله تعالى:

"وَاسْئلِ القَرْيَةَ""يوسف: 82"، على الظاهر لأجل علمه أن الجماد لا يُسأَل مع أنه لو تجاهل متجاهلٌ فادَّعى أن اللَّه تعالى خَلق الحياة في تلك القرية حتى عَقَلت السؤال، وأجابت عنه ونطقت، لم يكن قال قولًا يكفر به، ولم يزِد على شيء يُعلَم كذبه فيه فمن حقّه أن لا يَجْثِمَ هاهنا على الظاهر، ولا يضرب الحجاب دون سمعه وبصره حتى لا يعي ولا يُراعى، مع ما فيه، إذا أُخذ على ظاهره، من التعرض للهلاك والوقوع في الشرك. فأمَّا الإفراطُ، فما يتعاطاه قوم يُحبٍُّون الإغراب في التأويل، ويَحْرِصون على تكثير الوجوه، وينسَوْن أن احتمال اللفظ شرطٌ في كل ما يُعدَل به عن الظاهر، فهم يستكرهون الألفاظ على ما لا تُقِلُّه من المعاني، يَدَعون السليم من المعنى إلى السقيم، ويرون الفائدة حاضرةً قد أبدت صفحتَها وكشفت قِناعَها، فيُعرضون عنها حُبًّا للتشوُّف، أو قصدًا إلى التمويه وذهابًا في الضلالة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت