بعض علماء العصر ذهبوا في تفسير هذه الآية مذهبًا آخر، فقالوا: هذا يحكي الملة المحمدية، فإنها ليست بشرقية وليست بغربية، لا تستمد منهجها من الشرق ولا من الغرب، ولكنها تستمد منهجها من الله عز وجل، ولربما يصلح هذا المعنى، خصوصًا في هذه الفترة التي شعر العالم الإسلامي فيها بالتبعية إما للشرق أو للغرب، ودين الإسلام -كما نعرف عن كل مناهجه وجزئياته وكلياته- دين وسط بين طرفي نقيض، فإذا كانت هذه الأنظمة المعاصرة تميل إما إلى اليمين أو إلى اليسار -كما اصطلح عليه علماء العصر- فإن ملة محمد صلى الله عليه وسلم ملة قائمة بذاتها ليست بالشرقية وليست بالغربية، وإنما هي ملة معتدلة بين طرفي نقيض، وهذا شيء مشاهد في دين الله عز وجل الذي هو دين الإسلام، فإنه لا يخضع للشرق ولا للغرب، كما أنه يكون دائمًا وسطًا بين أنظمة الشرق وأنظمة الغرب.
على سبيل المثال: الغرب لم يضع نظامًا للمال أبدًا! بل أطلق الحرية لهذا الإنسان، فله أن يكسب المال من الحلال أو من الحرام، من الربا أو من أي طريق آخر، وليس في المال حقوق ولا نفقات، ولا واجبات ولا زكاة.
وجاء الشرق بملة مضادة لهذه الملة فقال: إن المال ليس ملكًا لهذا الإنسان بمفرده، وإنما هو ملك للدولة ولجميع الناس.
وكلاهما انحرف وأخطأ، فإن الله عز وجل هو الذي أباح الملكية الفردية لهذا الإنسان، وجعل ذلك مطلبًا من مطالب هذا الإنسان، وشرع قيودًا لكسب المال ولإنفاق المال.
وأيضًا: نجد أن الصوفية المعاصرة تقدس الروح وتهتم بها، وتهمل الجسد، وتقابلها الشيوعية الملحدة، فهي تقدس الجسد، وتهمل الروح، وأما الإسلام فإنه يعتني بالروح والجسد معًا، ويتوازن في معاملتهما.
وعلى هذا فقس في جميع الأنظمة القائمة، ولذلك فإن ملة الإسلام ليست شرقية ولا غربية وإنما هي دين وسط؛ ولذلك يقول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة:143] ، سواء كانت في الجغرافية، أو في الأفكار، أو في العبادات، أو في المعاملات، أو في أي شيء.