ثم إن الاستقامة لها معنىً آخر: وهو التوسط في الأمور: لأن الاستقامة معناها أن يكون الأمر مستقيمًا بين طرفي نقيض، ومن فضول القول أن نتحدث عما يسمى بالتطرف في أيامنا الحاضرة، أنا والله حينما أتحدث عن تطرف لا أجد مجالًا للحديث، لكن ربما نومئ إليه إيماءً.
فمعنى التطرف المبالغة في الدين، هذه قد توجد نادرًا لكن لا كما يصورها الناس في أيامنا الحاضرة، ففي أيامنا الحاضرة كلما رأى الناس شخصًا يتمسك بهذا الدين، ويخرج عن الأوضاع المألوفة التي ألفها الناس مدة طويلة في أيام الركود التي مضت بنا، يسمون ما يحدث بالتطرف، والحقيقة أن هذا ليس تطرفًا، هذا هو الدين، لكن لما نسي الناس وغفلوا عن هذا الأمر مدة من الزمن ظنوا أن من اتجه هذا الاتجاه يعتبر متطرفًا، وإلا في الحقيقة هذا هو الدين.
ولربما يطعنون في المتدينين فيسمونهم المتطرفين أو الأصوليين أو ما أشبه ذلك، وهؤلاء هم المتدينون الذين ساروا على المنهج الصحيح، لكن ربما أن الناس جهلوا جانبًا من جوانب هذا الدين أو تناسوه أو نسوه مدة طويلة من الزمن، وهي مدة الركود التي مرت بنا، فظنوا أن ما حدث تطرفًا، لكن لا يمنع أن يكون هناك تشدد في الدين، وهذا التشدد يقابل من الجانب الآخر التساهل؛ ولذلك يقول الله تعالى: (فَاسْتَقِمْ) أي: فإن دين الإسلام وسط بين طرفي نقيض، فلا هو بالطرف الشديد من جهة اليمين، ولا بالطرف الشديد من جهة اليسار ولكنه وسط؛ ولذلك يحذر الله سبحانه وتعالى المسلمين أن يزيدوا في هذا الدين، كما يحذرهم أن ينقصوا من هذا الدين، ولكن النقص في هذا الدين أسهل من الزيادة؛ لأن النقص في هذا الدين يعتبر معصية، والزيادة في هذا الدين تعتبر تشريعًا، فهذا الزائد في الدين يعتبر نفسه مشرعًا يضع نفسه في درجة الخالق سبحانه وتعالى؛ ولذلك يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا} [المائدة:87] فقدم تحريم الطيبات على الاعتداء الذي هو الجرأة على المحرمات، فالأول أشد، والثاني أيضًا شديد.
ولذلك نجد أن دين الإسلام دين وسط بين طرفين، فمثلًا: حينما تقدس الصوفية الروح وتهمل الجسد، نجد بجانبها من الطرف الآخر الشيوعية الملحدة التي تهمل الروح وتقدس الجسد.
والإسلام يعطي لكل من الجسد والروح حقه، فلا يسمح للإنسان أن يرهق هذا الجسد حتى ولو في طاعة الله تعالى، ولا يسمح له أن يتساهل في أوامر الله، فلا هو بالصوفية الموغلة التي تهتم بالروح دون الجسد، ولا هو بالشيوعية الملحدة المادية التي تهمل الروح وتقدس الجسد.
والإسلام لا يذيب الفرد في سبيل الجماعة، ولا الجماعة في سبيل الفرد، فيعتبر للجماعة حقًا، وللفرد حقًا، فالإسلام في الأنظمة الاقتصادية لا هو بالرأسمالية في معناها العصري والاصطلاحي التي تأخذ المال من أي طريق وبأي حال ولا تعتبر في المال حقًا، ولا هو بالاشتراكية الخبيثة الملحدة التي تأخذ أموال الناس وتبتزها، ولكنه وسط، فهو يثبت الملكية الفردية للإنسان، ويضع لها قيودًا سواء كان في مصادرها أو مواردها.
وهكذا تجد أن الإسلام وسط بين طرفي نقيض، فهو مستقيم بين طريقين منحرفين؛ ولذلك يقول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة:143] وبالرغم من أن (وسط) معناه: عدول وثقات، وهي كذلك تعطينا المعنى الآخر، فهو وسط بين طرفي نقيض.
إذًا: هذا هو معنى قوله تعالى: (كَمَا أُمِرْتَ) فلا يظنن أحد أن باب الاستقامة مفتوح للزيادة، ولذلك نجد أن الله تعالى يحرم عبادات حتى لا يزيد الإنسان في العبادات، فمثلا: ً نأتي في أمر الصلاة، فلو أن واحدًا زاد صلاة سادسة، قلنا: أنت كفرت بالله عز وجل، ولو جعل الصلوات أربعًا قلنا أيضًا: كفرت بالله تعالى.
ومثله في الصيام: حرم الرسول صلى الله عليه وسلم صيام يوم الشك، وجاء في الحديث: (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم) ويوم الشك هو آخر يوم من شعبان.
لماذا حرم الرسول صلى الله عليه وسلم صوم يوم الشك؟ حتى لا يدخل الناس في العبادات زيادة ليست منها، وحرم صوم يوم عيد الفطر حتى لا يزاد في هذه العبادة من آخرها.
وأمر صلى الله عليه وسلم بتأخير السحور حتى لا نأخذ من الليل زيادة للنهار، وأمر بتعجيل الفطر حتى لا نأخذ من الجانب الآخر من الليل زيادة.