وكما أن هذا الدين شرف فهو أيضًا مسئولية، فإن الله عز وجل قد شرف العرب داخل الجزيرة العربية وخارجها بهذا القرآن، وهو أيضًا قد حملها مسئولية لم تتحملها أمة من الأمم قبل هذه الأمة، ولذلك يقول الله تبارك وتعالى عن هذه المسئولية: {وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزخرف:44] ، وقال في سورة آل عمران: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110] أي: كما أُخرج اليهود والنصارى والأمم قبلهم لأنفسهم؛ فإن هذه الأمة أخرجت للناس ولم تخرج لنفسها فحسب، ولذلك فإن مسئوليتها عظيمة جدًا أمام الله عز وجل يوم القيامة، فليعِ كل مسلم -حسب موقعه في هذه الحياة، وحسب قدرته وإمكانياته- عظمة المسئولية (وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) .
ولربما تسأل الأمم قبل الأنبياء، بل لابد من ذلك؛ لأن الله تعالى قدم سؤال الأمم على سؤال الأنبياء فقال سبحانه وتعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} أي: الأمم {وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف:6] ، فكما أن المرسلين تحملوا مسئولية، فإن الأمم أيضًا تتحمل مسئولية لاسيما في أمة الإسلام التي يقول الله عز وجل عنها: {أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110] ، فهي لم تخرج لنفسها وإنما أخرجت للناس.
وأيضًا: فإن أمة الإسلام قد أعطيت من الميزات ما لم تعطه أمة من الأمم، فهي آخر الأمم، ونبيها محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء، وهو عليه الصلاة والسلام أول من يأخذ بحلقة الجنة، وأمته أكثر الأمم دخولًا الجنة، وهو عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين؛ فلا نبي بعده، وأعطي خمسًا لم تعطها أمة من الأمم، كما أشار إلى ذلك صلى الله عليه وسلم في قوله: (أعطيت خمسًا لم تعطها أمة قبلي) .
وعلى هذا فإن مسئولية هذه الأمة عظيمة، وكما أخبر الله تبارك وتعالى في القرآن أنها أمة مشرفة، وأمة مكرمة؛ أخبر كذلك أنها أمة ذات مسئولية كبيرة، وذات عبء ثقيل، وهذه المسئولية سوف يسأل عنها كل واحد حسب موقعه في هذه الحياة: الملوك والقادة والرؤساء عليهم مسئولية؛ لأن الله تعالى يقول: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج:41] ، ومن دونهم ممن يتحملون مسئولية الأمم هم أيضًا يتحملون هذه المسئولية، وهم داخلون في قوله تعالى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ) بمقدار ما لهم من السلطة، وأنا وأنت يا أخي! وكل واحد من المسلمين أيضًا على ثغر من ثغور الإسلام؛ لأن أي أحد منا يؤمن إيمانًا لا يخالطه شك أنه لن يبعث في هذه الأمة نبي بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولن ينزل عليها كتاب بعد القرآن، ولن تنزل عليها ملائكة من السماء تدعو إلى الله عز وجل، ولكنها المسئولية التي أحيطت بعنق كل واحد منا: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ} [الحج:78] ، {وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزخرف:44] .
إن الذين يموتون على الكفر في أيامنا الحاضرة سوف نسأل عنهم بين يدي الله عز وجل؛ لأن الله تعالى يقول: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15] ، ولن يبعث رسول بعده صلى الله عليه وسلم، ولكن أمته هي التي تحمل هذه الرسالة، فهؤلاء سلفنا الصالح من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغ عددهم مئات الآلاف، وكان عدد الذين حجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع مائة ألف وأربعة عشر ألفًا، ومع ذلك لا نجد قبورهم في مكة والمدينة إلا قليلًا، فأين قبورهم؟ لقد تفرقت قبورهم في الأرض؛ لأنهم خرجوا يرفعون راية الإسلام وينشرون هذا الدين، ويبينون للناس طريق الجنة، ولذلك فإن قبورهم في كل مكان من الأرض، ثم بعد ذلك ارتفعت راية الإسلام بفضل الله عز وجل، ثم بسبب جهود سلفنا الصالح رضي الله عنهم الذين حثوا الخطى، وضربوا آباط الإبل حتى نشروا الإسلام في هذه الأرض، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.
هذه مسئولية يجب أن يفهمها كل الناس حتى يكون هناك شعور بالواجب.