وقوله: (والأمانة مغنمًا) : أي: أن كل أمين على أمر من أمور المسلمين أو على مال من أموال المسلمين يعتبر هذا الأمر غنيمة، ويعتبر ذلك فرصة بيده يستغله حسب مصلحته وحسب رغبته، وهذه هي الأمانة التي أشار الله عز وجل إليها بقوله: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ َالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:72] .
إذًا: هذه الأمانة سواء كانت أمانة المال تودع عند واحد من الناس فيخون هذه الأمانة، أو كانت أمانة التكليف التي كلف الله عز وجل بها هذا العالم، أو كانت أمانة الذرية التي هي أمانة كبيرة ويخونها كثير من الناس، أو أمانة المسئولية، أو أمانة رعاية أمر المسلمين؛ بحيث لا يؤدي هذا الراعي حق هذه الرعية؛ وإنما اتخذ الأمانة مغنمًا واعتبرها غنيمة لنفسه، واستغلها حسب رغبته، وتمتع بها، وبدل أن يعتبرها مسئولية كبيرة يتحملها على مضض اعتبرها فرصة سانحة يستغلها حسب رغبته، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث متفق على صحته: (إذا اوسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) .
وقال علماء الحديث: إن معنى (وسد الأمر) أي: اعتبر ولي الأمر أمر المسلمين كالوسادة يعتمد عليه، ويتمتع به، بدل أن يشعر بأنه مسئولية كبيرة.
ولقد كان سلفنا الصالح رضي الله عنهم إذا ولي أحدهم أمرًا من الأمور يعتبرها مسئولية كبيرة، فيخاف من حمل هذه، حتى كان يقول أحدهم: (ولست بخير من أحدكم، ولكني أثقلكم حملًا) ، فكانوا يعتبرونها حملًا، وصار الناس في أيامنا الحاضرة يعتبرونها مغنمًا، وهذا المغنم مسئولية عظيمة يسأل عنها الإنسان يوم القيامة إذا وقف بين يدي الله عز وجل، فيجب عليه أن يؤدي حق هذه الرعية، ويؤدي حق هذه الأمانة، ويقوم بما أوجب الله عز وجل عليه من مسئولية هذا التكليف.
فهي حمل ثقيل لا يشعر بهذا الحمل ولا يدركه إلا عقلاء الرجال، أما سفهاء الناس فيعتبرون هذه الأمانة مغنمًا، فيستغلونها لرغباتهم وشهواتهم ومصالحهم، وربما يستغلونها لظلمهم إن كانوا ممن اشتهر بالظلم والطغيان في الأرض، أما الحقيقة فإن الأمانة ليست مغنمًا، ولكنها حمل ثقيل، وهذا الحمل لا يشعر به إلا المؤمنون، قال عز وجل: {فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} ، أي: خفن {وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:72] .