إن كل ما كان في جاهلية الأمس عاد في جاهلية اليوم، فنجد أن الربا الذي كان بالأمس نظامًا من أنظمة الجاهلية قد عاد اليوم بجميع أشكاله وأنواعه: ربا الفضل، وربا النسيئة.
في البنوك يدفعون مائة ريال ليأخذوا مائة وعشرة، يحاربون الله عز وجل علنًا، يقول عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [البقرة:278 - 279] ، ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم القيامة قيل لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب) أي: حارب الله عز وجل، ومن يستطيع أن يحارب الله؟ {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [يوسف:21] .
وهناك ربا الحيل المكشوفة، كأن يقولوا: خذ هذه الكمية من الخام أو من الأرز وبعه في الحال، ثم خذ ثمنه، ثم اخرج بضع دقائق وائت بشيء من المال، فهذه حيل مكشوفة تلف بلفائف كاذبة، كأنهم يخادعون الله عز وجل وهو خادعهم.
كذلك ربا الصاغة الذين يبيعون ويشترون الذهب بالكلام وبالتلفون وبدون نقد.
وكذلك ربا العينة الذين يبيعون الشيء بثمن مؤجل ثم يشترونه بأقل منه حالًا.
كل أنواع الربا واقعة، حتى ربا الأضعاف المضاعفة الذي هو أخبث أنواع ربا الجاهلية، الذي يقول الله عز وجل عنه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ} [آل عمران:130] ، وربا الأضعاف المضاعفة: هو أن يعطي إنسان إنسانًا مالًا بزيادة، حتى إذا حل الدين قال: إما أن تسدد وإما أن نزيد، وهذا هو ما تستعمله البنوك في أيامنا الحاضرة علنًا وفي وضح النهار، ويسجل في الدفاتر، ويستحق هؤلاء الذين يسجلونه لعنة الله ولعنة رسوله؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم: (لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم في الإثم سواء) ، وهذا من الحيل المكشوفة بحيث إذا حل الدين ولم تسدده يوجله عليك ويزيد.
هؤلاء يتلاعبون بحرمات الله عز وجل وحدوده، ويظنون أنهم يخادعون الله تعالى فيها والله خادعهم.
هذا الربا أصبح نظامًا اقتصاديًا، وبدل أن يسمى ربًا سمي: اقتصادًا، وأصبحت الحياة في مفهوم عالمنا اليوم لا تقوم إلا على هذا النظام الاقتصادي الربوي؛ لأن كل المعايير قد تغيرت، فسمي الربا اقتصادًا، وسمي النفاق مجاملة، وسمي الكذب دبلوماسية، وسميت الخمر مشروبات روحية، وسمي الغناء والرقص فنًا، يريدون أن يجملوا هذه الأشياء بهذه الأسماء، فنقول: وإن غيرت الأسماء فلن تتغير هذه المسميات.