وتذكرني هذه العناصر الثلاثة بقصة شاب مؤمن عرضت عليه كل مغريات الحياة، وأهمها هذه الثلاثة: حب الحياة، وكراهية الموت، والمركز والشهوة التي تجذب إلى نفسها بقوة، فرفضها، وخرج من هذه الفتن الثلاث معافىً قد رفع رأس نفسه، ورفع الأمة الإسلامية جمعاء.
والقصة باختصار كما يرويها المؤرخون: أن رجلًا من قادة المسلمين في غزوة اليرموك في بلاد الشام يدعى عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه، أرسله عمر رضي الله عنه في جيش المسلمين، فوقع أسيرًا في بلاد الروم، وكان شابًا يتقد ذكاءً وحماسًا وتقىً واستقامة، فأعجب السجانون بهذا الشاب في عبادته وصلاحه واستقامته، فقيل لقيصر الروم الخبر عنه فقال: جيئوني به.
يريد أن يعرض عليه الفتن الثلاث التي أوردتها لكم.
فلما مَثُلَ رضي الله عنه بين يدي قيصر قال له: يا عبد الله! لو تنصرت لشاطرتك ملكي، فنظر إليه نظرة ازدراء واحتقار وقال: والله! لو كانت لي الدنيا بأسرها ما تركت شيئًا من ديني! هذه عقبة استطاع أن يتخطاها رحمة الله عليه, فشعر قيصر الروم بالذلة أمام هذا الرجل المؤمن العملاق، وقال: ردوه إلى السجن، وزيدوا في تعذيبه، بدل أن يكون مساعدًا لقيصر الروم أصبح سجينًا معذبًا، لكن ذلك في سبيل دينه، فقال قيصر: دلوني على طريقة أستطيع أن أفتن بها هذا الرجل، فقالوا: الشهوة، إنه شاب بعيد عن أهله منذ أشهر طويلة، وتستطيع أن تجذبه عن طريق الشهوة، فجاءت فكرة أخرى، فقال: جيئوني بأجمل فتاة في بلادي، فجيء بها، فأغريت بالمال لتفتن عبد الله، فجردت هذه الفتاة من كل ملابسها، وأُدخلت عليه، وهو منكب يتلو القرآن، فلما رآها قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! إنها الفتنة، فأغمض عينيه، وصارت تتابعه وترمي نفسها في أحضانه، وهو مكبل بالأغلال، وكلما اتجهت إلى جهة انحرف إلى جهة أخرى، وبقيت مدة تطارده، وهو ينصرف عنها، فأيست منه، فقالت: أخرجوني، فلما أخرجوها قالت: والله! لا أدري أعلى بشر أدخلتموني أم على حجر، والله لا يدري أأنثى أنا أم ذكر! فيئست المحاولة الثانية التي تفتن اليوم كثيرًا من أبناء المسلمين، وإذا أردتم الدليل على ذلك فاسألوا شركات الطيران: كم يسافر من أبناء المسلمين اليوم إلى أماكن فيها كثير من الفساد! فتحير قيصر الروم وقال: لابد أن تعطوني طريقًا أستطيع أن أفتن بها هذا الرجل، يريد أن يسترد ماء وجهه الذي ضاع أمام شاب من أبناء المسلمين، فقالوا: الموت، فكل الناس يفرون من الموت، فجيء بقدر عظيم، فأُشعلت تحته النار حتى تحول القدر إلى قطعة حمراء من النار، فقال: جيئوني بـ عبد الله بن حذافة ورجل من أصحابه الذين كانوا يلازمونه، فجيء بـ عبد الله بن حذافة رضي الله عنه وجيء بصديقه الذي لا يفارقه، فأمر قيصر أن يُؤخذ صديق عبد الله ويُرمى في القدر، فرُمي في القدر، فصار دخانًا، فسالت دمعة صغيرة من عين عبد الله رضي الله عنه، وكان قيصر يراقبه، فلما رأى الدمعة قد سالت من عين عبد الله ظن أن الرجل قد خاف من الموت، فالتفت إليه وقال: يا عبد الله! أنت ستكون بعده، قال: اخسأ يا عدو الله! لقد رأيتني أبكي، والله ما بكيت خوفًا من الموت، والله ما جئت إلى بلدك هنا إلا لأطلب الشهادة في سبيل الله، ولكني بكيت لأن صاحبي هذا كان من أعز الناس عليّ، وكان يسابقني إلى الجنة، وكنت أظن أني سوف أسبقه إلى الدار الآخرة، فكنت إذا صليت ركعتين في الليل صلى أربعًا فصليت ثماني ركعات في جنح الليل، وإذا صام في الهاجرة يومًا صمت يومين، وكان أمنيتي أن أسبقه إلى الجنة، فالآن أبكي لأنه سبقني إلى الجنة.
انظروا عظمة الرجال أيها الإخوة! إنهم شباب في عقول رجال كبار، فتحير الرجل أمام هذا البطل المؤمن، ماذا يفعل؟ فقال: يا عبد الله! أريد منك شيئًا واحدًا فقط، تقبل رأسي وأطلق سراحك، قال: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء:141] لن أقبل رأسك ولو قطعتني إربًا إربًا، قال: يا عبد الله! تقبل رأسي وأطلق جميع أسرى المسلمين في بلاد الروم، فانظر كيف أصبح الرجل يتنازل عن مطالبه؛ لأنه يريد فقط أن يسترد مكانته التي فقدها أمام هذا الشاب المؤمن، قال: ما دام الأمر بهذا الشكل أعطني فرصة ثلاثة أيام أستخير ربي، قال: لك ثلاثة أيام، فردوه إلى السجن وشددوا عليه، وجيء به بعد ثلاثة أيام فقال: رأيت ألا أقبل رأس رجل كافر، وافعل ما تشاء، قال: يا عبد الله! تضع شفتيك على رأسي وأطلق جميع أسرى المسلمين من بلاد الروم، فوضع شفتيه على رأسه، ويُقال: إنه رضي الله عنه بصق على رأسه، فأمر بإطلاق جميع أسرى المسلمين الذين كانوا في بلاد الروم.
وفي الطريق كانوا يلومون عبد الله ويقولون: يا عبد الله! كيف تضع شفتيك على رأس رجل كافر من أجلنا؟ فيقول: يا قومي! والله لقد بصقت على رأسه حينما وضعت شفتي على رأسه، فعلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في المدينة بما فعله عبد الله بن حذافة، فقال لأهل المدينة جميعًا: إن على كل واحد منكم أن يخرج لاستقبال عبد الله بن حذافة، وأن يقبل رأسه.
فهذا نموذج من الشباب الذين يربيهم الإسلام، ويحتضنهم أولياء الله، وهؤلاء ما زالوا ولم يزالوا حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهم قوة ضاربة في الأرض أمام الطغيان والكفر والجبروت، قال عز وجل: {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} [الأحزاب:23] .
وإذا أردتم دليلًا على ذلك فتتبعوا ما يحدث في الساحة الإسلامية تجدون العجب العجاب، فهؤلاء قوم لا يخافون من الموت؛ لأنهم يرون أن الموت في مثل هذا الطريق شهادة، والشهادة ترفع الإنسان في أعلى درجات الجنة يوم القيامة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله؛ ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض) .
والجهاد في سبيل الله أنواع كثيرة، ولذلك عرفوا أن بينهم وبين الله عز وجل بيعة، وإذا أردتم نموذجًا واضحًا فتتبعوا أخبار أفغانستان في أيامنا الحاضرة فستجدون شبابًا في مستهل العمر يؤكدون هذه البيعة بينهم وبين الله عز وجل، ولا يضنون بأنفسهم ولا بدمائهم ولا بأرواحهم.
أيها الإخوة! لكن هذه عقبات في الحقيقة لا ننكرها، وهي تعترض سبيل كثير من الشباب.