فهرس الكتاب
وقبلَ الخوضِ في حكمِ الحالةِ الثانية، أُحِبُّ أنْ أشير إلى أمرين:
الأمر الأول: ظَهَرَ لي أنَّ اهتمامَ العلماءِ بإقامةِ الأدلةِ على الحالةِ الثانيةِ أقلُّ مِن الحالةِ الأولى.
الأمر الثاني: ألحقَ بعضُ العلماءِ بالحالةِ الثانيةِ: ما إذا عُلِمَ تاريخُ أحد القولين، وجُهِلَ تاريخُ القولِ الآخرِ (1) ، وهذا الإلحاق هو الأصحُّ عند الحنابلةِ (2) .
وقبلَ ذكرِ الأقوالِ في الحالةِ الثانية سأذكرُ أمثلةً لها:
المثال الأول: جاءَ عن الإمامِ أحمدَ بن حنبل في نقضِ الوضوءِ بمسِّ الذَّكَرِ ثلاثُ رواياتِ: الرواية الأولى: أنَّ مسَّ الذَّكَرِ ناقضٌ، والرواية الثانية: أنَّ مسَّ الذَّكَرِ غيرُ ناقضٍ، والرواية الثالثة: أنَّ مسَّ الذَّكَرِ ناقضٌ إنْ قَصدَ مسَّه (3) .
المثال الثاني: اختلفَ قولُ الإمام مالكٍ في حكمِ المسحِ على الجُرْمُوق (4) ، فأجازه مرةً، ومنعه مرةُ أخرى (5) .
المثال الثالث: جاء في: (المدونة) (6) :"وقد اختلفَ قولُ مالكٍ في صعودِ المؤذنِ المعتكفِ المنارةَ، فقالَ مرةً: لا. ومرةً قالَ: نعم".
• الأقوال في المسألة:
اختلفَ العلماءُ في تحديدِ القولِ الذي يُنسبُ إلى إمامِ المذهبِ في
(1) انظر: شرح الكوكب الساطع للسيوطي (4/ 57) ، وحاشية زكريا الأنصاري على شرح المحلي على جمع الجوامع (4/ 51) ، والآيات الينات للعبادي (4/ 280) .
(2) انظر: معونة أولي النهى للفتوحي (9/ 575) .
(3) انظر: المغني لابن قدامة (1/ 240) ، والإنصاف (1/ 202) .
(4) الجُرْمُوق - كعصفور: لفظ أعجمي معرَّب، وهو ما يلبس فوق الخف، وجمعه: جراميق.
انظر: المجموع شرح المهذب للنووي (1/ 503) ، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (جرم) ، (ص/ 89) ، والقاموس المحيط، مادة: (جرم) ، (ص/ 1125) .
(5) انظر: المنتقى شرح الموطأ للباجي (1/ 175) .
(6) انظر: (1/ 230) .