وقد وُجِدَ في القرنِ الثالثِ الهجري شيءٌ مِن التعصّبِ المذهبي (1) ، فقد جَرَى على الإمامِ بقي بنِ مخلدٍ (ت: 276 هـ) (2) حين دَخَلَ الأندلسَ شيءٌ مِن التعصبِ، إذ هجره بعضُ المالكيةِ، وهضموا جانبَه (3) .
ويظهرُ لي أنَّ بدءَ انتشارِ التمذهبِ بمذهب معيَّنٍ في صفوفِ العلماءِ والمنتسبين إلى العلمِ، والميلِ إلى إمامِ المذهبُ وأصحابِه بصورة أوضح، كان مع نهايةِ القرنِ الثاني الهجري، وأوائل القرنَ الثالثِ الهجري (4) .
ويدلُّ على هذا: ما خطّتُه أقلامُ المترجِمين لعلماءِ المذاهب مِن التراجمِ لعلماء مِنْ هذين القرنين (5) .
وممَّا ذُكِرَ في هذا المقامِ: أنَّ أحدَ البارعين في مذهبِ المالكيةِ (6)
(1) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (3/ 280) .
(2) هو: بقي بن مخلد بن يزيد القرطبي الأندلسي، أبو عبد الرحمن، ولد سنة 201 هـ كان إمامًا مجتهدًا صالحًا ربانيًا صادقًا رأسًا في العلم والعمل، عديم النظير، ورعًا فاضلًا زاهدًا، من حفاظ الحديث، وأئمة الدين، ومن المجاهدين في سبيل الله، رحل إلى المشرف في طلب العلم، فلقي جماعةً من المحدثين، وكبار المسندين، ثم رجع إلى الأندلس، فملأها عِلمًا جمًا، كان يفتي بالأثر، على خلاف علماء الأندلس الذين يفتون بما جاء عن مالك، من مؤلفاته: تفسير القرآن، والمسند، والمصنف، توفي سنة 276 هـ وقيل: سنة 273 هـ. انظر ترجمته في: تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي (1/ 143) ، وجذوة المقتبس للحميدي (ص/ 251) ، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (1/ 320) ، وإرشاد الأريب لياقوت (2/ 746) ، وسير أعلام النبلاء (13/ 285) ، وتاريخ الإسلام للذهبي (13/ 285) ، والوافي بالوفيات للصفدي (10/ 182) ، والمنهج الأحمد للعليمي (1/ 258) ، ونفح الطيب للمقري (3/ 272) .
(3) انظر: الاعتصام للشاطبي (3/ 320) ، وابن حزم - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ 232) .
(4) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (1/ 25) ، ومقدمة المحقق محمد بن طاهر للإشراف للقاضي عبد الوهاب (1/ 26 - 27) ، والمناظرة في أصول التشريع لمصطفى الوضيفي (ص/ 25) ، والحياة العلمية في صقلية للدكتور علي الزهراني (ص/ 129 وما بعدها) ، والحياة العلمية في إفريقية للدكتور يوسف حواله (1/ 261) ، ودور الفقهاء في الحياة السياسية للدكتور خليل الكبيسي (ص/31) .
(5) انظر: الفكر السامي لمحمد الحجوي (3/ 141) .
(6) هو: سعيد بن محمد بن صبيح، أبو عثمان الإفريقي (ت: 302 هـ) .