من الأصحاب - كانوا مستقلين في تفكيرِهم الفقهي كلّ الاستقلالِ، وما كانوا مقلِّدينَ لشيخِهم بأيّ نحوٍ مِن نواحي التقليدِ.
وكونهم درسوا آراءَه، أو تلقوها عليه، وتثقفوا في أُوْلى دراساتِهم عليه، لا يمنعُ استقلالَ تفكيرِهم، وحريةَ اجتهادِهم؛ وإلا لكانَ مَنْ يتلقى على شخصٍ لا بُدَّ أنْ يكونَ مقلِّدًا له، وتنتهي القضيةُ لا محالةَ إلى أنْ تنزلَ بأبي حنيفةَ نفسِه عن مرتبةِ المجتهدين المستقلين؛ فإنَّه ابتدأَ دراساته بتلقي فقه إبراهيمَ النخعي على شيخِه حماد بنِ أبي سليمان (1) ، وكانَ كثيرَ التخريجِ عليه ... وإذا كانت الأصولُ التي بُنِيَ عليها الاستنباطُ عند هؤلاءِ التلاميذِ وشيخِهم متحدةً في أكثرِها، فليستْ متحدةً في كلِّها، وحسبهم تلك المخالفة؛ لتَثْبُتَ لهم صفةُ الاستقلالِ" (2) ."
ثانيًا: جعل ابنُ كمال الخصَّافَ، والطحاويَّ، والكرخيَّ مِنْ أهلِ الطبقةِ الثالثةِ.
ولم يؤيّدْ هذا التوزيع بعضُ علماءِ الحنفيةِ، وعدّوه بخسًا لقدرِ هؤلاءِ الفقهاءِ (3) ؛ إذ لهم اختياراتٌ في الأصولِ والفروعِ خالفوا فيها إمامَهم أبا حنيفةَ (4) .
(1) هو: حماد بن أبي سليمان مسلم، أبو إسماعيل، أصله من أصبهان، مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، تتلمذ لإبراهيم النخعي، واختص به، فكان أنبل أصحابه، كان علامة من فقهاء الكوفة، بل فقيه العراق، صادق اللهجة ثقة ذكيًا كريمًا، ذا لسانٍ سؤول، وقلب عقول، وقد رُمي بالإرجاء، قال معمر: ما رأيت مثل حماد، توفي سنة 120 هـ وقيل: 119 هـ. انظر ترجمته في: التاريخ الكبير للبخاري (3/ 18) ، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ 80) ، وتهذيب الكمال للمزي (7/ 269) ، وسير أعلام النبلاء (5/ 231) ، والجواهر المضية للقرشي (2/ 150) ، والطبقات السنية للغزي للتميمي (3/ 186) ، وشذرات الذهب لابن العماد (2/ 89) .
(2) أبو حنيفة - حياته وعصره (ص/ 384 - 385) . وانظر: رسالة في بيان الكتب التي يعول عليها لمحمد المطيعي (ص/ 88 وما بعدها) ، وأصول الفقه لمحمد أبو زهرة (ص/ 390) ، وتاريخ المذاهب الإسلامية له (ص/ 331) .
(3) انظر: ناظورة الحق للمرجاني (ص/ 109) ، ملحق بكتاب حسن التقاضي للكوثري، وإرشاد أهل الملة لمحمد المطيعي (ص/ 254) .
(4) انظر: المصدرين السابقين، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/307) .