فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 377

سالكا طريق السلف". هكذا كانت رحلة الإمام النووي (رحمه الله) في طلبه للطلب، فكان له من المنزلة ما كان عليه بين العلماء وطلبة العلم وعامتهم وسأبينه لاحقًا إن شاء الله."

رحلته إلى مكة المكرمة (شرفها الله ذكرت لنا المصادر التي ترجمت للإمام النووي أنه حج بيت الله الحرام، وزار نبيه صلى الله عليه وسلم مرتين، فأما المرة الأولى فكانت سنة 651 هـ، وأما بخصوص حجته الثانية فلم أجد من صرح بوقتها سوى ما قيل:"فلما توفي شيخه ازداد اشتغاله بالعلم والعمل وحج مرة أخرى"لكنني ومن خلال وقوفي على كتاب"تهذيب الأسماء واللغات"وجدته قد صرح بهذا من خلال ما نص عليه في القسم الثاني(اللغات) مادة (خنثى) عند جوابه على سؤال قوله: (وقد وقع هذا الخنثى في البقر فجاءني جماعة أثق بهم يوم عرفة سنة أربع وسبعين وستمائة .... ) وهذا ما ذهبت إليه لم يسبقني إليه أحد ممن ترجم له ولله الحمد.

ـ رحلته إلى بيت المقدس: ذكر ابن العطار (رحمه الله) : أنَّ الإمام النووي سافر إلى بيت المقدس قبل وفاته بشهرين، وقال:"وجرى لي معه وقائع ورأيت منه أمورًا تحتمل مجلدات، فسار إلى نوى وزار القدس والخليل عليه السلام ثم عاد إلى نوى".

عبادته وزهده وورعه وصَفَه كلُّ مَن رآه بأنَّه زاهد في الدنيا، مُقبِل على الآخرة، كثير التحرِّي والانجماح عن الناس، وكان يصوم الدهر، ولا يجمع بين إدامين، وكان لا يأكل من فاكهة دمشق؛ لأنها كثيرة الأوقاف لِمَن هو تحت الحَجْر شرعًا، وكان يقبَل من الفقير ويردُّ الغني، ولمَّا جاء المرسوم السلطاني بوُجُوب الإنفاق على الجند ذهَب الناس إلى الإمام النَّوَوِيِّ وشَكَوْا إليه، فأرسَل رسالةً إلى السلطان ابتدَأَها ببيان حقِّ الراعي والرعية، ثم حثَّه على الالتِزام بالشريعة، ونهاه عن هذا الفعل، فغَضِب السلطان وأمَر المسؤولين أن يعزلوا هذا الشيخ ويمنعوه راتبه، فتلطَّفوا له قائلين له: إنَّه لا يَتعاطَى راتبًا، وليس له منصب ثم لم تكن المكانة العلمية التي وصل إليها الإمام النووي على هذا القدر لو لم يكن من المتقين تصديقًا لقوله تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّه) سورة البقرة / من الآية 282، فقد تميزت عبادته بصفاء العقيدة وسعة العلم، وكثرة الإطلاع، فقد نقل ابن العطار ثناء أحد العلماء عليه"كان الشيخ محيي الدين سالكًا منهاج الصحابة ولا اعلم أحدًا في عصرنا سالكًا منهاجهم غيره"،فقد ثبت عنه أنه كان صائم الدهر قائم الليل لا يضيع له وقت إلاّ في الاشتغال بعلم أو عبادة، وذكر الإمام اليونيني فقال:"كان كثير التلاوة للقرآن العزيز، والذكر لله تعالى معرضًا عن الدنيا مقبلًا على الآخرة من حال ترعرعه"،ونقل ابن العطار عن أحد علماء الحنابلة قال:"كنت ليلةً في جامع دمشق والشيخ واقف يصلي إلى سارية في ظلمة وهو يردد قوله تعالى (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُون) سورة الصافات/ من الآية 24. مرارًا بحزن وخشوع حتى حصل عندي من ذلك ما الله به عليم"زهده: أما عن زهده، فقد أعرض عن الدنيا بملذاتها وزخرفها، فلم يغتر بها وتركها وراءه وجعل حظَّه منها كزاد الرَّاكب أسوة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذكر تلميذه ابن العطار عن أحد العلماء قوله:"عذلت الشيخ في تضييق عيشه في"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت