لولا أن يجتمع الناس علي لأخذت لكم في ذلك الصوت, أو قال: (( اللَّحن ) )انتهى. و (( اللحن ) )هو: الترجيع. ويدل على أن المراد الترجيع, وروده مصرحًا به في رواية البخاري في (( المغازي ) )من صحيحه بلفظ: (لولا أن يجتمع الناس حولي لرجَّعت كما يرجَّع) فالمحاكاة في (( خصوص الترجيع ) ), فهذا يعني (( الأداء ) ), وفرق بين حكاية الصوت فهذا لم يقع, وبين حكاية (( الأداء والقراءة ) )وهذا أمر مطلوب بأن يقرأ العبد القرآن مؤديًا له على وفق قواعد القراءة, وضوابطها الشرعية, ومن غير إخلال بغلو أو تفريط ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( من أراد أن يقرأ القرآن رطبًا ) )الحديث. ويدل أيضا على أن المراد (( خصوص الترجيع ) )أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نزلت عليه هذه الآيات, وهو على راحلته في (( غزوة الفتح ) )وكان ترجيعه - صلى الله عليه وسلم - آآآ, ثلاث مرات.
قال الحافظ ابن حجر: قال القرطبي: (( يحتمل أن يكون حكاية صوته عند هز الراحلة كما يعتري رافع صوته إذا كان ركبًا, من انضغاط صوته, وتقطيعه لأجل هز المركوب, وبالله التوفيق ) ). انتهى. أي: فهذه واقعة عين لا عموم لها.
على أن معاوية بن قرة رضي الله عنه أراد أن يفعل لكنه لم يفعل, خشية أن يجتمع عليه الناس للاستماع. [1] وهذا واضح الدلالة على أن محاكاة الصحابة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في صوته غير معهودة بين الصحابة رضي الله عنهم إذ لو كانت معهودة لما خشي ذلك, وهو رضي الله عنه لم يفعل, فبقي الأمر على عدم التقليد, وأنه لم يكن من هدي الصحابة رضي الله عنهم. وفيمن بعدهم تتبعت كتب السير, والتراجم, ما أمكن فلم أر تقليد الصوت لدى القراء, عملًا موروثًا, يستعذب القارئ صوت قارئ آخر, فيقلده وهو واقف بين يدي ربه في المحراب ليحرك النفوس بصوت غيره, ويتلذذ السامعون بحسن أدائه فيه.
(1) انظر إلى دقيق ورع الصحابة رضي الله عنهم في البعد عن مواطن الرياء, والشهرة, ووازن بين هذا وبين ما يفعله (( مجوِّدة ) )عصرنا من تكلف التقليد, وازدحام الناس على سماعه.