وكانت الأنفال من أول ما نزلت بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وحسبت أنها منها، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، فوضعتها في السبع الطول. ففهم من هذا الحديث أن ترتيب الآيات في الصور أمر توقيفى متلقى عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما ترتيب السور فمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى الله عنه ولهذا ليس لأحد أن يقرأ القرآن إلا مرتبا آياته. فإن نكسه أخطأ كثيرًا وأما ترتيب السور فمستحب اقتداء بعثمان رضى الله عنه. والأولى إذا قرأ أن يقرأ متواليا، كما قرأ عليه السلام في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين، وتارة بسبح، و هل أتاك حديث الغاشية. فإن فرق جاز، كما صح أن رسول الله قرأ في العيد بقاف و اقتربت الساعة، رواه مسلم عن أبى قتادة. وفى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ألم السجدة و هل أتى على الإنسان. وان قدم بعض السور على بعض جازأيضًا، فقد روى حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران، أخرجه مسلم. وقرأ عمر في الفجر بسورة النحل ثم بيوسف.
ثم إن عثمان رضى الله عنه رد الصحف إلى حفصة رضى الله عنها، فلم تزل عندها حتى أرسل إليها مروان بن الحكم يطلبها فلم تعطه حتى ماتت، فأخذها من عبدالله بن عمر فحرقها لئلا يكون فيها شئ يخالف المصاحف الأئمة التى نفذها عثمان إلى الآفاق، مصحفا إلى مكة، ومصحفا إلى البصرة، وآخرإلى الكوفة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وترك عند أهل المدينة مصحفا. رواه أبو بكر بن أبى داود عن أبى حاتم السجستانى، سمعه يقوله. وصحح القرطبى أنه إنما نفذ إلى الآفاق أربعة مصاحف- وهذا غريب- وأمر بما عدا ذلك من مصاحف الناس أن يحرق لئلا تختلف قراءات