والتطلعات مثلما تتجه لكنز من كنوز الدنيا؟، ذلك لأن ذلك الكنز الحقيقي (الجنة) في مشاعر البعض إنما هو كلاما نظريا فقط كأساطير الأولين!!.
ـ تخيل أن العلم توصل إلى طريقة تجعل الإنسان يعود من الشيخوخة إلى الشباب ولا يمرض ولا يموت، فسوف تجد الناس يتسابقون إلى ذلك ويدفعون في ذلك كل ما يملكون ولكان ذلك كل همهم وكل هدفهم وكل مشاعرهم، فالإنسان في يعود من الشيخوخة إلى الشباب ولا يمرض ولا يموت ويعيش في متع أبدية ولا يوجد ما يعكر مزاجه أو يشغل باله في جنات النعيم، ورغم ذلك لا تجد أي شعور أو رغبة أو انشغال الهم بهذا الإعجاز الهائل القريب جدا، ذلك لأن الجنة مجرد يقين نظري وليست يقينا حقيقيا.
ـ وفي الحديث: (( إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والشهوة والجماع حاجة أحدهم عرق يفيض من جلده فإذا بطنه قد ضمر ) ) [1] ، وفي حديث آخر: (( يعطى المؤمن في الجنة قوة مائة في النساء ) ) [2] ، فالجماع في الجنة مائة ضعف الجماع في الدنيا وهو في ريعان الشباب (في سن 33 سنة) ويستطيع الإنسان ذلك لأنه يعطى قوة مائة ففي حديث آخر: (( يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع قيل يا رسول الله أويطيق ذلك قال يعطى قوة مائة ) ) [3] ، وفي حديث آخر: (( إذا دخل أهل الجنة الجنة ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا وذلك قول الله عز وجل ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) ) [4] ، وفي حديث آخر: (( ... قال فكل من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن ) ) [5] ، لماذا لا تشعر بالحب لأن تكون كذلك، إن الإنسان الذي يعيش للدنيا هدفه أن يأكل ويشرب ويتمتع بكل ألوان الراحة، وكذلك الإنسان الذي يعيش للآخرة يريد أن يأكل ويشرب ويتمتع بكل ألوان الراحة ولكن أي طعام وأي متعة، إنه يريد المتع الحقيقية التي لا تفني والتي لا يحيطها مخاوف بالمرض أو الشيخوخة أو الموت أو سلب النعمة، إنه يريد المتع الدائمة والشباب الدائم وحياة لا يموت فيها ولا يمرض، وحياة بها الفاتنات الحسناوات من الحور العين، ومن أدعية الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ... وأسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا تنقطع وأسألك الرضاء بالقضاء وبرد العيش بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك ... ) ) [6] ، إذن فأي عاقل مَنْ يعيش لذة المتع الضئيلة الفانية في الدنيا، فالذي يؤثر الدنيا هو إنسان غبي لا يشعر بخطورة الآخرة: (( فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فإن الْجَحِيمَ هِيَ الْمَاوَى، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فإن الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى ) ) [7] ، فالذي يشعر بنعيم الجنة وألوان المتع فيها لا يمكن بحال من الأحوال أن يؤثر متع الدنيا الفانية، وفي الحديث: (( مَنْ أحب دنياه أضر بآخرته ومَنْ أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى ) ) [8] ، وفي الحديث: (( ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ) ) [9] فمن أراد الآخرة فإنه تلقائيا يترك زينة الدنيا، وعن وهب بن منبه قال: (( مثل الدنيا والآخرة كمثل رجل له ضرتان، إن أرضى إحداهما أسخط الأخرى ) ) [10] ، وفي الحديث: (( التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة ) ) [11] ، ويقول علي رضي الله عنه: (( إن أخوف ما أخاف اتباع الهوى وطول الأمل فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق وأما طول الأمل فينسي الآخرة إلا وان الدنيا قد ترحلت مدبرة ألا وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فان اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل ) ) [12] .
ـ تأمل قوله تعالى: (( لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ) ) [13] ، فكل ما تتمنى يتحقق فورا وتراه حقيقة وليس سحرا، فقد ورد أن رجلا من أهل الجنة اشتهى أن يزرع فبذر فنما الزرع سريعا وكان كالجبال ففي الحديث: (( إن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع فقال له ألست فيما شئت قال بلى ولكن أحب أن أزرع فبذر فبادر الطرف نباته واستواؤه
(1) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 1627 في صحيح الجامع)
(2) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 8106 في صحيح الجامع)
(3) قال الشيخ الألباني: حسن صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 677، برقم: 2536)
(4) التخريج: صحيح (صحيح الترغيب والترهيب ج: 3 ـ رقم: 3771)
(5) متفق عليه (مشكاة المصابيح ج: 3، رقم: 4628)
(6) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن النسائي ج: 3، ص: 55، برقم 1306)
(7) النازعات: 37 ـ 40
(8) التخريج: صحيح (صحيح الترغيب والترهيب ج: 3، برقم: 3247)
(9) قال الشيخ الألباني: حسن (جامع الترمذي ج: 4، ص: 637، برقم 2458)
(10) الزهد لابن أبي الدنيا ـ دار ابن كثير، دمشق (ج: 1، ص 49)
(11) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن أبو داود ج: 4، ص: 255، برقم 4810)
(12) صفة الصفوة ـ دار الحديث، القاهرة (1/ 120)
(13) قّ: 35