ـ القرآن هو أصل الدين:
ـ فأصل قضية الدين هو أن رجلا جاء إلى الناس وقال لهم لقد سمعت كلام الخالق وأنا مكلف بتبليغه إليكم، وهذا الكلام هو القرآن، فالقرآن هو أصل قضية الدين، ومعرفة الإنسان بالغيبيات وأوامر الدين جاءت منه، وبدون القرآن لا يعرف الإنسان شيئا وهو معذور بجهله غير محاسب، ومن بلغه نزول كلام من الخالق إلى البشر ولم يمنعه شيء من معرفة كلام الخالق فقد قامت عليه الحجة.
ـ لذلك فالتغافل عن القرآن هو تغافل عن الدين.
ـ الشعور بخطورة وصول كلام من الخالق:
ـ كيف نتصور أن يصل إلينا كلام من الخالق من فوق سبع سماوات إلى البشر؟، وهل ينزل بلغة البشر؟، وكيف ينزل هذه الكلام وكيف يمكن استقباله؟، إنه أمر عظيم يشتاق إليه الإنسان ليعرف كلام الخالق وماذا يريد منا؟، تخيل حال الناس بغير أن تنزل الكتب السماوية أو يأتي الرسل إنهم سوف يتمنون أن يرسل الخالق إليهم رسالة يعرفهم بمراده ويقسموا أنهم سيكونون في قمة الخضوع والشكر لذلك.
ـ إن القرآن هو رسالة من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فهو بين أيدينا الآن نقرأه في عالم الشهادة، لو كان القرآن الذي بين أيدينا الآن هو كلام لرجل في عالم الغيب ينصحنا فيه ويعرفنا بما يكون من أمر الآخرة لكان له شأنا عظيما، فما بالك وهو كلام الخالق وهو يخبرنا بما يكون من أمر المستقبل في الآخرة.
ـ تصور رسالة نزلت إلينا من السماء مكتوب فيها:"من الله تعالى إلى الناس "مثلا فكيف تشعر بكلام الله وكيف تتعامل مع كلام الله من العظمة؟، فإن إنزال القرآن من عند الله ليس أمر عادي وإنما يدعو إلى الشعور بالانبهار والوجل والتعظيم.
ـ إنك إذا نظرت إلى ساحر مثلا فيأخذك العجب وتتفاعل مشاعرك بما يصنع، فماذا لو كان سحره هذا حقيقة؟، فما بالك والقرآن أعظم معجزة فهو أعظم من معجزات كل الأنبياء، فهل تنظر إلى القرآن بين يديك علي أنه معجزة فتتفاعل مشاعرك بما فيه من إعجاز؟.
ـ إذن فالشعور بوصول كلام من الخالق يعني الشعور بخوف المهابة والحب لأن الإنسان يحب الشيء العظيم القيمة الهام.
ـ ولكنك تجد أن القرآن نزل علي الإنسان فلم يتأثر به في حين لو نزل القرآن علي جبل لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ: (( لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) ) [1] ، وما أكثر ما ورد عن الصحابة والتابعين عن تأثرهم بالقرآن لمجرد أنهم شعروا أنه كلام الخالق العظيم سبحانه إلى العبيد من البشر.
ـ إن الذي يحمل مصحفا ولا يدري مدى خطورة ما يحمل وقيمته وما يعنيه من الأهمية وبالتالي لا يعمل بما فيه هو كالحمار: ففي تفسير ابن كثير: (( يقول تعالى ذاما لليهود الذين أعطوا التوراة وحملوها للعمل بها ثم لم يعملوا بها مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارا أي كمثل الحمار إذا حمل كتبا لا يدري ما فيها فهو يحملها حملا حسيا لا يدري ما عليه وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الذي أوتوه حفظوه لفظا ولم يتفهموه ولا عملوا بمقتضاه بل أولوه وحرفوه وبدلوه فهم أسوأ حالا من الحمير لأن الحمار لا فهم له وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى:(أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) )) [2] .
ـ تخيل لو أن هناك كنز عظيم جدا يطمح إليه كل الناس لكن لا أحد يعرف مكانه بالضبط وكيفية الوصول إليه، فإذا وجدت خريطة مكتوب فيها مكان الكنز وكيفية الوصول إليه كيف يكون فرحك وحبك لمدى أهمية وخطورة هذه الخريطة، إن هذا الكنز حقيقي فعلا وأعظم من كل الكنوز التي يتخيلها الإنسان وهو الجنة وهذه الخريطة هي القرآن، أو تخيل لو أن
(1) الحشر: من الآية 21
(2) تفسير ابن كثير ـ دار طيبة للنشر والتوزيع (ج: 8، ص: 117)