فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 249

أحب لهواه، وإن أبغض أبغض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع لهواه، فهواه آثر عنده وأحب إليه من رضا مولاه، فالهوى إمامه والشهوة قائده والجهل سائقه والغفلة مركبه، فهو بالفكر في تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور، وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور، ينادى إلى الله وإلى الدار الآخرة من مكان بعيد، ولا يستجيب للناصح، ويتبع كل شيطان مريد، الدنيا تُسخطه وتُرضيه والهوى يصمه عما سوى الباطل ويعميه، فهو في الدنيا كما قيل في ليلى عدو لمَنْ عادت وسلم لأهلها ومَنْ قربت ليلى أحب وأقربا، فمخالطة صاحب هذا القلب سقم ومعاشرته سم ومجالسته هلاك )) [1] .

10ـ دليل من الفطرة: معنى كلمة رب وإله في لغة المشاعر:

ـ الرب أو الإله لابد حتما أن يكون أكبر من البشر في صفاتهم وقدراتهم وإمكانياتهم وقدرهم وفي كل شيء لأنه الذي خلقهم بدليل الآية: (( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) ) [2] ، وبغير أن يكون الإله أكبر وأعظم من البشر فلا يكون إله، وهذا هو أبسط معنى لكلمة الإله ويعرف ذلك كل الناس بالفطرة وبدون أن يتعلموا شيء، وطالما أن الإله أكبر فهذا يعني بالضرورة أن تعلق المشاعر به أكبر، وبالتالي إذا ساوى أحد في مشاعره بين الله وبين غيره، فإنه يساوي بين الله وبين البشر في القدرات والصفات كأنه مثل أي واحد من البشر، كذلك من تكون مشاعره تجاه الله أقل من المشاعر المتجهة للبشر أو للدنيا فهذا مشاعره تنقص من قدر الإله وتقول أن هناك من هو أجدر منه وذو قدر أكبر منه، أو الذي تكون مشاعره للإله تساوي صفرا وجميع مشاعره متجهة إلى الدنيا فهذا مشاعره تقول: (لا إله) .

11ـ (( فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى ) ) [3] ، (( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) ) [4] ، (( وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أمر مُسْتَقِرٌّ ) ) [5] ، (( وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ) ) [6] .

12ـ ويقول علي رضي الله عنه: (( إن أخوف ما أخاف اتباع الهوى وطول الأمل فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق وأما طول الأمل فينسي الآخرة إلا وان الدنيا قد ترحلت مدبرة ألا وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فان اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل ) ) [7] .

13ـ الشيء الذي يصل حبك له إلى درجة العشق بحيث يمتلأ قلبك بحبه فلم يعد في قلبك شيئا لحب غيره، فهذا الشيء أنت بذلك تعبده، فإذا كنت تحب المال إلى درجة العشق بحيث يمتلأ كل قلبك بحبه فأنت تعبد المال، وعلامة ذلك أن يتقطع قلبك على ضياع مليم، وإذا كنت تحب المرأة أو الأولاد أو المظاهر والمناصب أو أي شيء إلى درجة العشق بحيث يمتلأ كل قلبك بحبه فأنت تعبد ذلك الشيء من دون الله، وعلامة ذلك أن يتقطع قلبك عليه إذا ابتعد عنك.

ـ فمعنى كلمة (إله) أي هو الذي يجعلك تتحير وتندهش وتعجب به إعجابا شديدا بمدى صفاته، فتحبه إلى درجة العشق بحيث يمتلأ كل قلبك بحبه، وعلامة ذلك أن يتقطع قلبك على البعد عنه، أي هو الذي لا تستطيع أن تقطع تفكيرك ومشاعرك وهمومك وأهدافك عنه، أي هو الذي يتعلق تفكيرك ومشاعرك وهمومك وأهدافك به بشدة أي إلى درجة الوله، وهذا هو معنى كلمة (إله) في اللغة، ففي تاج العروس: (( وفي حدِيثِ وهب بنِ الوَرْدِ:(إذا وَقَعَ العَبْدُ في *! أُلْهانِيَّةِ الرَّبِّ، ومُهَيْمِنِيَّة الصِّدِّيقِيْن ورَهْبَانِيَّةِ الأبْرارِ لم يَجِدْ أَحَدًا يَاخُذ بقَلْبِه) ، أَي لم يَجِدْ أَحَدًا يَعجبُه ولم يُحِبَّ إلا اللَّهَ سبحانه، قالَ ابنُ الأثيرِ: هو فُعْلانِيَّة مِن ألِهَ يَالَهُ إذا تَحَيَّرَ، يُريدُ إذا وَقَعَ العَبْدُ في عَظَمَةِ اللَّهِ وجَلالِهِ وغيرِ ذلِكَ مِن صفَاتِ الرُّبُوبيَّةِ وصَرَفَ توهّمُه إليها، أَبْغَضَ الناسَ حتى ما يميلَ قلْبُه إلى أَحَدٍ )) [8] ،"الوله"يدل على الحب والفرح بالمحبوب لدرجة أنه إذا ابتعد عنك تتحير ويذهب عقلك وتحزن حزنا شديدا، وهذا التحير والحزن هو الوله: (( الوَلَهُ: ذهابُ العَقل والفُؤاد من فُقْدانِ حبيب، يقال: وَلِهَت تَوْلَهُ وَتَلِهُ، وهي والهةٌ ووَالِه. وكل أنثى فارقت وَلَدَهَا فهي والِهٌ ) ) [9] ، ((

(1) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ـ مكتبة المعارف، الرياض (ج:1، ص: 9)

(2) فصلت: من الآية 15

(3) طه: 16

(4) محمد: 16

(5) القمر: 3

(6) الكهف: من الآية 28

(7) صفة الصفوة ـ دار الحديث، القاهرة (1/ 120)

(8) تاج العروس من جواهر القاموس ـ دار الهداية (36/ 322)

(9) العين ـ دار ومكتبة الهلال (ج: 4، ص: 88)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت