فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 249

تفكيره خلل وهو في حقيقة أمره يعطل عقله: (( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غَافِلُونَ ) ) [1] ، ورغم أن الأشياء تدعو الإنسان إلى أن يعرف سر وجودها وما وراءها لكنه يتناسى حقائق الأشياء ويشغل عقله بظواهر الأشياء فقط، وينشأ عن التفكير الظاهري شعور خادع بقيمة الدنيا فيراها عظيمة القيمة رغم ضآلتها وفناءها.

ـ وكذلك ينظر إلى ظاهر أمر الغيبيات فلا يرى شيئا لأن الغيبيات لا نراها فظاهرها عكس حقيقتها، فلا ينظر إلى حقيقتها وخطورتها ولا يوجه تفكيره في معرفتها، فلا تتعلق مشاعره بها ولا يعيش لها.

ـ فالإنسان الذي لا عقل له عنده علم سطحي وظاهري بأمور الدنيا، فلا ينظر إلى حقائق وجود الأشياء وما وراءها وحقيقة قيمتها، ولكن فقط علمه مقصور ومحدود في إطار السطحيات والظاهر، ففي تفسير البغوي: (( {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} يعني: أمر معاشهم، كيف يكتسبون ويتجرون، ومتى يغرسون ويزرعون ويحصدون، وكيف يبنون ويعيشون، قال الحسن: إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه ولا يخطئ وهو لا يحسن يصلي، {وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غَافِلُونَ} ساهون عنها جاهلون بها، لا يتفكرون فيها ولا يعملون لها ) ) [2] ، وفي تفسير الشيخ المراغى: (((ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) أي إن منتهى علمهم أن يتفهموا شئون الحياة الدنيا، ويتمتعوا باللذات، ويتصرفوا في التجارات، ليحصلوا على ما يكون لهم فيها من بسطة في المال، وسعة في الرزق، ويكونوا ممن يشار إليهم بالبنان، وما به يذكرون لدى الناس، ولا يعنون بما وراء ذلك، فشئون الآخرة دبر أذنهم، ووراء ظهورهم، لا يعرفون منها قبيلا من دبير )) [3] .

2ـ تفكير في حقائق الأشياء والأمور:

ـ مفهوم العقل (التفكير السليم ـ القلب السليم ـ العقل السليم) : هو التفكير الذي يتجه إلى حقائق الأمور وليس ظاهرها، فإذا نظر إلى الأشياء من حوله نظر إلى حقيقتها وكيف وجدت ولماذا وجدت وإذا نظر إلى الدنيا نظر إلى قيمتها وما تؤول إليه وفنائها، وإذا نظر إلى الشهوات نظر إلى حقيقتها الضئيلة وفناءها، وإذا نظر إلى نفسه نظر إلى سر وجوده كيف وجد ولماذا يموت وماذا بعد الموت، وإذا نظر إلى الخالق تعرف عليه وعلى صفاته وإذا نظر إلى الآخرة تعرف عليها وما بها، وينظر إلى حقائق الأشياء من حوله وكيف جاءت ولماذا جاءت، أما صاحب العقل المعطل الذي عطل عقله فيتجه تفكيره إلى ظواهر الأشياء فيتجه في ظاهر الأشياء دون أصولها ولم يسأل لماذا يأكل ولماذا يشرب ولماذا ينام؟.

2ـ الشعور بالقيمة (الوعي والإدراك ـ اليقين الحقيقي ـ نظرة الإنسان إلى الأمر)

ـ وظيفة اللسان هي الإحساس بالطعم، ووظيفة الأنف هي الإحساس بالرائحة، ووظيفة الجلد هي الإحساس باللمس، وعندما يحمل الإنسان شيئا يكون عنده إحساس بالوزن فيقول هذا خفيف أو ثقيل، ووظيفة العقل الأساسية هي الإحساس بالقيمة فيعقل الإنسان هل هذا الشيء نافع أم ضار ومقدار مدى فيه من النفع أو الضرر، فكما أن الإنسان عنده حاسة يعرف بها وزن الأشياء فيقول هذا خفيف وهذا ثقيل وهذا ثقيل جدا، فكذلك عنده حاسة يستطيع بها تقييم الأشياء من حيث الأهمية والخطورة وما فيها من نفع أو ضرر، وبقدر ما فيه من ضرر يكون قدر ما فيه من ألم، وبقدر ما فيه من نفع يكون قدر ما فيه من لذة، وبالتالي يستطيع تقييم مدى ما فيه من ألم أو لذة، فيشعر بأن هذا مهم وهذا أهم وهذا غير مهم وهذا عظيم وهذا حقير وهكذا، وهذا التقييم ليس معرفة نظرية بالنفع أو الضرر ولكنه إحساس بوزن هذه المعلومة من حيث ثقل ما فيها من نفع أو ضرر.

ـ وإذا وصلت المعلومة إلى الإنسان عن طريق الرؤية أو السمع ولم يشعر بقيمتها فما فائدة وصول المعلومة إذن؟!، فأصبح لا معنى ولا فائدة من وصول المعلومة للإنسان، فأصبح الإنسان يرى ويسمع لكن لا يشعر بقيمة ما يراه أو

(1) الروم: 7

(2) تفسير البغوي ـ دار إحياء التراث العربي -بيروت (ج: 3، ص: 571)

(3) تفسير الشيخ المراغي ـ شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي بمصر (ج: 27، ص: 56)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت