فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 249

يسمعه، فإذا لم يشعر بقيمة ما يراه أو يسمعه فما فائدة انه يرى أو يسمع، فعندئذ تكون وظائف العقل والعين والسمع معطلة عن العمل.

ـ فالشعور بالقيمة هو شعور الإنسان بمدى أهمية المعلومات التي تصل إليه ومدى تأثيرها عليه، أي الشعور بقيمة النفع أو الضرر التي فيها، أي الشعور بقيمة اللذة أو الألم، أي الشعور بقدر السعادة أو الشقاء التي في الشيء، أي الشعور بأنه عظيم وكبير في نفعه أو ضرره أو بأنه ليس ذو قيمة أو أهمية، وهذا الشعور يربط بين المعرفة النظرية والمشاعر، وبدونه لا تنتقل المعلومة إلى المشاعر فتتأثر بها.

ـ فالشعور بالقيمة هو وظيفة العقل الأساسية، وهي تؤدي إلى معرفة الله (الشعور بقدره) وتعطيل هذه الوظيفة يؤدي إلى الغرور بالدنيا (شعور كاذب بان للدنيا وشهواتها قدر كبير) .

ـ وعدم وجودها يعني غياب العقل أو موته، فعدم وجود الوعي والإدراك لقيمة الأشياء معناه أن الإنسان لا يعي حقيقة وقيمة ما يقوله ولا يعي حقيقة وقيمة ما يوقن به ولا يعي حقيقة وقيمة ما حوله.

ـ فهنا انتقل الأمر إلى دائرة الوعي والإدراك والشعور فأصبح الأمر في بؤرة شعوره، أي أصبح الإنسان له رؤية ونظرة لقيمة الشيء.

ـ أي انتبه وأفاق وانزعج واندهش لخطورة الأمر، فالإنسان هنا يقول كلمته من خلال نظرته إلى الشيء فإذا كان ينظر إلى الشيء العظيم القيمة نظرة انتباه ودهشة وذهول فهذا معناه انه قد أيقن فعلا بأنه عظيم القيمة وانه متحقق، أما إذا نظر إليه نظرة إهمال فهذا معناه انه لا قيمة له في نظره وهذ1معناه انه لا يعي ولا يعقل حقيقة الأمر.

ـ فالشعور بالقيمة هو نظرة الإنسان إلى قيمة الشيء وهذا هو يقينه الحقيقي، فاليقين الحقيقي معناه طبيعة نظرة الإنسان إلى حقيقة الشيء، فإذا كان الشيء فيه قدرة كبيرة على النفع أو الضرر فإنه ينظر إليه نظرة انتباه واهتمام ونظرة انبهار وإعجاب وتعظيم وتقدير لعظيم قيمته، وإذا كان الشيء ليس فيه قدرة على النفع أو الضرر فلا يلفت ذلك نظره أصلا ولا يستشعر في ذلك أثر أو أهمية.

ـ فالشعور بالقيمة للشيء الخطير هو الذهول والانزعاج من اكتشاف المفاجئة المذهلة، فيحدث ذلك عند اللحظة التي ينتقل فيها الإنسان الغائب عن الوعي إلى الوعي واليقظة فيفيق، أو اللحظة التي ينتقل فيها الإنسان النائم إلى اليقظة والصحو، فإذا كان الإنسان غافلا عن أمر ما يتعامل معه كأنه معدوم القيمة ثم ينتبه فيكتشف مفاجأة مذهلة ينزعج لها قلبه فيكتشف أنه أمر غاية في الخطورة والأهمية، أو العكس، أي إذا كان غافلا عن أمر ما يتعامل معه كأنه ذو قيمة كبيرة ثم ينتبه فيكتشف مفاجئة مذهلة ينزعج لها قلبه فيكتشف أنه أمر تافه بسيط، وفي الحالتين يكتشف أنه كان مغفلا مخدوعا في منتهى الغفلة، فمثلا إذا لم يحدث للإنسان في حياته الدنيوية شعور بخطورة الآخرة فإنه يوم القيامة يكتشف أنه كان مغفلا ويشعر بقيمة الآخرة ولكن بعد فوات الأوان: (( لَقَدْ كنت في غفلة من هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) ) [1] ، فالناس في غفلة فإذا ماتوا انتبهوا.

ـ فالشعور بقيمة الآخرة معناه أن الإنسان يكتشف أمور مذهلة ويكتشف أنه كان أعمى لا يرى شيئا وكان بلا عقل لما يرى من الحقائق المذهلة، فقد كان نائما والجيش مقبل عليه ليقتله ثم أفاق والجيش يدهمه، ففي الحديث: (( مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما فقال يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير العريان فالنجاء النجاء فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا وكذبته طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق ) ) [2] .

ـ وغياب الشعور بالقيمة لحقيقة ضآلة الدنيا معناه أن تكون نظرة الإنسان للمال وأصحاب الثروات نظرة انبهار وإعجاب وتعظيم وتقدير لعظيم قيمته، وكذلك نظرته إلى حجم المتعة من شهوة النساء أو النظر إلى العورات، وهكذا، في حين نظرته إلى قدر الله مثل نظرته إلى أي شيء لا ينفع ولا يضر فلا يلفت ذلك نظره أصلا ولا يستشعر في ذلك أثر أو أهمية،

(1) قّ: 22

(2) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 5860 في صحيح الجامع)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت