فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 249

وكذلك نظرته إلى الآخرة تكون مثل نظرته إلى الحواديت وهكذا، وكل هذا يختلف عن الاقتناع النظري واليقين النظري التام بعظمة الله وضآلة الدنيا وخطورة الآخرة.

ـ إذا تصور الإنسان قيمة الأمر فإنه ينظر إليه نظرة تعظيم وانبهار وانتباه ويقظة وذهول إذا كان عظيم القيمة سواء في نفعه أو في ضرره، أو نظرة إهمال وازدراء إذا كان لا قيمة له، وهذه النظرة هي (اليقين الحقيقي) ، أما إذا تناسى الأمر، فهو بذلك يعطل عقله بمنعه من التعرف على حقيقة الأمر.

ـ فالشعور بالقيمة معناه أن نظرة الإنسان إلى الأشياء تتغير، فالأشياء ذات النفع الكبير أو الضرر الكبير ينظر إليها نظرة انبهار وإعجاب، والأشياء التي يكتشف أنه لا نفع فيها ولا ضرر ينظر إليها نظرة احتقار وإهمال ولا مبالاة، فيتكون عند الإنسان يقين حقيقي بعظمة الخالق وخطورة الآخرة وضآلة الدنيا وضعف الإنسان، لأنه يشعر بأن الله هو النافع الضار وغيره لا ينفع ولا يضر ويشعر بأن كل صفات القوة والقدرة هي لله وغيره ناقص وعاجز وضعيف، ويشعر بخطورة النفع والضرر في الآخرة.

ـ كل الناس يعرفون أن البشر جميعا خاضعين لله، لكن اليقين الحقيقي بأن الإنسان خاضع لله هو الشعور بالخضوع.

3ـ انشغال البال (الشعور بالترقب ـ استمرارية التصور حتى ينتهي الخطر ـ الهدف)

ـ ما هي القضية التي يجب أن تشغل تفكير الإنسان؟:

ـ لا يمكن لإنسان أن يعيش بغير قضية أساسية تكون هي هدفه يحيا بها ويعيش لها ويتجه إليها بمشاعره وهمومه، فكل إنسان له قضية هي أهم شيء في حياته، وهذه القضية تكون هي محور حياته ومستقبله ومصيره، وفي الحديث: (( ... كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أو مُوبِقُهَا ) ) [1] .

ـ الإنسان أمامه قضايا كثيرة منها مثلا مشاكل في عمله الذي يتكسب منه، أو تطلع للترقي في عمله، ومشاكل في بيته أو واجبات والتزامات يومية يجب القيام بها نحو أسرته، وأمور للتسلية أو الترفيه تعود عليها كمشاهدة التلفاز أو الجلوس على المقهى أو الخروج للمتنزهات أو متابعة مباريات الكرة، والتطلع لشراء مسكن أو سيارة، والقيام بعمل تجاري أو التوسع في مشاريع لزيادة الدخل، وتوفير الطعام والشراب أو التوسع فيه، والاهتمام بمظهر الإنسان أمام الناس، وتوفير كل ما يحتاجه أولاده وأسرته، والتطلع إلى شهوات النساء أو الطعام والشراب أو زيادة المال أو الحصول على شهادات أو مناصب أو التغلب على أعباء الدراسة والزواج والتطلع إلى الحياة المريحة أو ظلم الإنسان لغيره أو ظلم الحكام للشعب أو أداء الصلوات أو قضية الموت والاستعداد له والآخرة وما يكون فيها والغاية من الخلق ومعرفة الخالق.

ـ هذه قضايا كثيرة، العاقل ينظر إليها ويقارنها ببعضها ليرى أيها أخطر وأيها يجب أن تشغل تفكيره وأيها يختارها لتكون قضيته وشغله الشاغل طوال حياته، كل القضايا المتعلقة بالدنيا ليست بشيء أمام قضية الموت والآخرة ومعرفة الخالق، لأن جميع القضايا المتعلقة بالدنيا تفنى سريعا مع فناء الدنيا، والذين كانت تشغلهم هذه القضايا الدنيوية فكانت شغلهم الشاغل قد ماتوا الآن فأيها يفيدهم الآن، فالذين يعيشون وتنشغل عقولهم طوال حياتهم بقضية الموت والاستعداد له والآخرة وما بها ومعرفة الخالق هؤلاء هم العاقلين وغيرهم لا عقل لهم، وهؤلاء تنشغل عقولهم بالطاعات ولكن كفرع من أصل، فالأصل أن عقولهم مشغولة بالآخرة وترقبها والاستعداد النفسي والتهيب للقاء الرهيب أمام رب العالمين وينشأ عن ذلك القيام بالطاعات وليس تنشغل عقولهم بطاعات معينة دون أن تنشغل بتصور الآخرة وتصور قدرة الخالق وما هم صائرون إليه، وهؤلاء أيضا قد تنشغل عقولهم بمشاغل الحياة ولكن انشغال عابر مؤقت قليل وهو أيضا انشغال كفرع من أصل، فعليه أن يتغلب على بعض أعباء الحياة ولكنه يتقلل من أعباء الحياة قدر ما يستطيع وينشغل عنها بما هو أخطر، فمن شغل همه بالآخرة فقد شغل همه بشيء واحد فقط، ولكن من شغل همه بالدنيا فقد

(1) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 925 في صحيح الجامع)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت