فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 249

فتح على نفسه آلاف الهموم فهذه هي طبيعة الدنيا، فكلما دخل من باب وجد أبواب أخرى كثيرة، ويظل تتشعب به الهموم حتى يهلك، ففي الحديث: (( من جعل الهم هما واحدا كفاه الله هم دنياه ومن تشعبته الهموم لم يبال الله في أي أودية الدنيا هلك ) ) [1] ، وفي حديث آخر: (( من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد كفاه الله سائر همومه ومن تشعبت به الهموم من أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك ) ) [2] ، فطبيعة الدنيا عبارة عن متاهة كلما سرت في طريق وجدت طرقا أخرى فدائما يستجد لك فيها هموم أخرى وآمال أخرى ومتاعب أخرى، ففي الحديث: (( خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا مربعا، وخط في وسط الخط خطا، وخط خارجا من الخط خطا، وحول الذي في الوسط خطوطا، فقال هذا بن آدم وهذا أجله محيط به، وهذا الذي في الوسط الإنسان وهذه الخطوط عروضه إن نجا من هذا ينهشه هذا، والخط الخارج الأمل ) ) [3] أي يموت ولا يزال عنده تمني وآمال لم تتحقق، فيظل الشيطان يلهيه حتى يموت.

ـ كل إنسان له قضية تشغل تفكيره وتتعلق بها مشاعره وينبني عليها عمله فهو بذلك يعيش لهذه القضية وهي دينه، فمن كانت قضيته التي تشغل تفكيره وتتعلق بها مشاعره وينبني عليها عمله هي الله والآخرة فقد اسلم وجهه إلى الله: (( وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إلى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ) ) [4] أي توجه بكليته إلى الله من تفكير ومشاعر وعمل، ومن كانت قضيته التي تشغل تفكيره وتتعلق بها مشاعره وينبني عليها عمله هي الدنيا وشهواتها فهي دينه: (( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) ) [5] .

ـ كل إنسان ينشغل تفكيره بشيء واحد هو الشاغل الأكبر وهو الحصول على السعادة والمتع واللذات والبعد عن ما فيه الشقاء والألم، فإذا كان تصوره خاطئ عن قيمة النفع والضرر في الأشياء فسوف يكون نظرته خاطئة عن قيمة النفع والضرر في الأشياء فهو يرى السعادة واللذة في أشياء ليست فيها سعادة أو لذة وليس فيها نفع أو ضرر أو يكون فيها ضرر له، ويؤدي هذا إلى أن ينشغل تفكيره بهذه الأمور التي هي في نظره تحقق له السعادة وتجنبه الشقاء.

ـ إذن ما هو الشيء الذي يشغل تفكيرك؟، هل هو الحصول على المال أم شهوات الطعام والشراب والنساء أم المناصب والجاه والسلطان والمظاهر أم مشاغل الحياة اليومية والتغلب على متطلباتها وكسب المال والتجارة أم الخروج من مشاكل الفقر أو المرض أو الاستضعاف والظلم من أصحاب الجاه وعدم الحرية أم عمارة الأرض وتوفير وسائل السعادة فيها، أم بعض من هذه الأمور أم جميعها؟، فهذه هي هموم الدنيا، أم أن الشاغل الذي يشغل تفكيرك هو الوصول إلى ملذات الجنة والتمتع بالحور العين إلى ما لا نهاية من السنين والبعد عن الحرق داخل النار إلى ما لا نهاية من السنين ومعرفة قوة الخالق التي تسيطر عليك في ليلك ونهارك وفي كل لحظة وكل حركاتك تحت المراقبة التامة وكل أنفاسك معدودة ذلك الأمر المرعب الواقع عليك في الدنيا وذلك الخطر الرهيب الذي أنت مقبل عليه بعد لحظات من الآن من أمر الموت والحياة بعد الموت؟.

ـ فإذا كان الشاغل الأكبر هو هموم الدنيا فأنت جاهل لا عقل لك لأنك لم تتصور وتعي حقيقة السعادة وأين تكون ولم تتصور وتعي حقيقة الخطر الذي أنت واقع فيه والخطر الذي أنت مقبل عليه بعد لحظات وبلا عودة، فأنت في غفلة تامة وغباء تام تضر بنفسك وتهلكها، فالدنيا لا قيمة لها أمام الآخرة مهما كانت آلامها ومهما كانت لذاتها وتزول سريعا في غمضة عين لمن يعقل كما أنها متعها ضئيلة ومحدودة في حد ذاتها.

ـ وإذا كان الشاغل الأكبر الذي يشغل تفكيرك هو الخطر الرهيب من سيطرة الخالق عليك والخطر الذي أنت مقبل عليه (الآخرة) فأن عاقل قد علمت حقا وأبصرت بحقائق الأمور، ومن ضمن تأثر الهموم دوام انشغال الهم بالخالق (المراقبة) وبالموت والآخرة.

ـ وفي الحديث: (( عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال يا رسول الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا فقال: ما لي وللدنيا ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة ثم راح وتركها ) ) [6] ، فالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك لم يكن يرفض التكنولوجيا والعلم الحديث والذي كان يتمثل في عهده في فراش لين بدلا من الحصير، لكن ذلك ليس الذي يشغل همه وفكره ومشاعره، وإنما الهم الأكبر الذي كان يشغل همه وفكره ومشاعره هو الآخرة، وفي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: (( مر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نعالج خصا لنا فقال ما هذا؟، فقلنا: قد وَهَى فنحن نصلحه، قال: ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك ) ) [7] ، وفي الحديث: (( إنما يكفي أحدكم ما كان في الدنيا مثل زاد الراكب ) ) [8] ، وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يقول: (( إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل ) ) [9] .

ـ إذن فالهم الدائم والهموم المؤقتة يحدثان معا في اللحظة الواحدة، فالإنسان المسافر همه الأكبر هو أن يصل إلى حيث يريد، فهذا هو الهم الذي لا يمكن أن ينساه، ولكن لديه هموم أخرى، ففي وقت ما يكون همه كيف يحصل على طعام أو كيف يتوقف في استراحة يتناول فيها طعام أو كيف يقضي حاجته.

ـ ويمكن تقسيم الناس من ناحية انشغال البال إلى ستة أصناف كالتالي:

ـ يمكن تقسيم الناس حسب أودية الدنيا الواردة في الحديث: (( من جعل الهم هما واحدا كفاه الله هم دنياه ومن تشعبته الهموم لم يبال الله في أي أودية الدنيا هلك ) ) [10] ، فكل واحد يسير في واد من أودية الدنيا تكون همه وقضيته بينما المؤمن همه وقضيته الآخرة، وهذه الأصناف كالتالي:

1ـ صنف من الناس عقولهم مبنية على شهوات النساء فلا يفكرون إلا في ذلك ولا ينشغل همهم إلا بذلك ولا يسعون إلا لذلك ولا يرغبون إلا في ذلك.

2ـ صنف من الناس عقولهم مبنية على المال والحصول عليه فلا يفكرون إلا في ذلك ولا ينشغل همهم إلا بذلك ولا يسعون إلا لذلك ولا يرغبون إلا في ذلك.

3ـ صنف من الناس عقولهم مبنية على المظاهر والمناصب والألقاب والشهادات العلمية والحصول علي ذلك، فلا يفكرون إلا في ذلك ولا ينشغل همهم إلا بذلك ولا يسعون إلا لذلك ولا يرغبون إلا في ذلك.

4ـ صنف من الناس عقولهم مبنية على مشاغل الحياة وهمومها وأعمالها لتصبح قضيتهم، فلا يفكرون إلا في ذلك ولا ينشغل همهم إلا بذلك ولا يسعون إلا لذلك ولا يرغبون إلا في ذلك.

5ـ صنف من الناس عقولهم مبنية على كل شهوات الدنيا ومشاغلها أو بعضا من ذلك، فلا يفكرون إلا في فيها ولا ينشغل همهم إلا بها ولا يسعون إلا لها ولا يرغبون إلا فيها مع التفاوت، فمنهم من يكون أكبر تفكيره في المال ثم المظاهر ثم شهوات النساء مثلا وغير ذلك.

6ـ صنف من الناس عقولهم مبنية على الآخرة ولقاء الله ومعرفته، ليست الدنيا كل همهم فرغم انشغال همهم بالدنيا إلا أن همهم منشغل بالله والآخرة، وهؤلاء هم أهل جنات النعيم وغيرهم يعبدون أهواءهم.

ـ مفهوم انشغال البال:

ـ ينشغل بال الإنسان بالخطر الواقع وبالخطر الذي يقترب وقوعه، واقتراب وقوع الخطر هو أيضا خطر ينشغل به الهم، فقدرة الله عليك خطر واقع الآن، والآخرة خطر قريب، واقتراب الآخرة خطر.

ـ وانشغال الهم باقتراب الخطر هو الشعور بترقبه، كل إنسان يترقب اليوم الذي يحقق فيه هدفه أو اليوم الذي يحدث فيه أمر خطير فيظل همه منشغلا بهذا اليوم، فالطالب يترقب يوم الامتحان والسجين يترقب يوم الإفراج، والعاقل الذي يشعر بخطورة الآخرة فإنه يعيش حياته مترقبا يوم لقاء الله والآخرة ومترقبا يوم موته حيث يلقى الآخرة فيظل ذهنه منشغلا

(1) حديث حسن (صحيح الترغيب والترهيب ج: 3، برقم: 3170)

(2) تحقيق الألباني: حسن (انظر حديث رقم: 6189 في صحيح الجامع)

(3) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 635، برقم 2454)

(4) لقمان: 22

(5) الفرقان: 43

(6) حديث صحيح (صحيح الترغيب والترهيب برقم 3283)

(7) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 568، برقم: 2335)

(8) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 2384 في صحيح الجامع)

(9) صيد الخاطر ـ دار القلم - دمشق (1/ 447)

(10) حديث حسن (صحيح الترغيب والترهيب ج: 3، برقم: 3170)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت