فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 249

بالتطلع إلى يوم اللقاء المهيب حيث تكون الدنيا لا قيمة لها، والشعور بالترقب مثل شعور الإنسان الذي يقف ينتظر أحدا على موعد.

ـ فالشعور بالترقب معناه الاستعداد النفسي بانشغال الهم بالأمر فلا يكون مفاجئا عندما يأتي، وعدم وجود الشعور بالترقب معناه أنه يتناسى ذلك الأمر ولا يشغل باله به رغم يقينه النظري به فيكون الأمر مفاجئا له عندما يأتيه.

ـ إن جود الله وقدرته وعظمته وهيمنته ووجود الآخرة وأهوالها وخطورتها هي أمور لا يمكن أن ينساها أي إنسان عاقل فهي أخطر شيء يعرفه الإنسان، لكن الإنسان ينسى الله والآخرة بانشغال التفكير بما سوى الله والآخرة، أي عدم تذكر الله والآخرة في الذهن أي الغفلة عن الله والآخرة، ففي أيسر التفاسير: (( {لا تلهيهم تجارة ولا بيع} أي لا شراء ولا بيع {عن ذكر الله} فقلوبهم ذاكرة غير غافلة وألسنتهم ذاكرة غير لاهية ولا لاغية {وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة} أي لا تلهيهم دنياهم عن آخرتهم فهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ) ) [1] ، وفي تفسير القرطبي: (( قوله تعالى:(لاهية قلوبهم) أي ساهية قلوبهم، معرضة عن ذكر الله، متشاغلة عن التأمل والتفهم، من قول العرب: لهيت عن ذكر الشيء إذا تركته وسلوت عنه )) [2] ، وفي تفسير البيضاوي: (( {ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَاءَهُمْ} بأنواع النعم فاستغرقوا في الشهوات {حتى نَسُوا الذكر} حتى غفلوا عن ذكرك أو التذكر لآلائك والتدبر في آياتك ) ) [3] .

ـ هناك فرق بين أن يفكر الإنسان في الأمر وبين أن يكون الأمر قضية تشغل تفكيره، فهو أولا يفكر في الأمر، فإذا وجده أمرا هاما وخطيرا وشعر بخطورته أصبح ذلك الأمر قضية تشغل تفكيره، وهذه هي الشروط الثلاثة للعقل (يفكر في الأمر ثم يشعر بخطورته ثم يصبح قضية تشغل تفكيره) .

ـ كل إنسان لابد له من التفكير ولابد له من قضية تشغل تفكيره تكون هي هدفه، فلا يستطيع الإنسان أن يمنع نفسه من التفكير أو أن يعيش بلا هدف، وهدف الإنسان هو قضيته التي تشغل تفكيره، فإما أن يتجه تفكيره إلى حقيقة ما حوله من الأشياء أو إلى ظاهرها، فإذا اتجه تفكيره إلى حقيقة الأشياء عرف حقيقة وجوده وحقيقة الخالق وعرف مصيره وأدرك حقيقة ما دعت إليه الرسل، فأصبح ذلك هدفه وقضيته التي تشغل تفكيره، وإذا اتجه تفكيره إلى ظاهر الأشياء لم يعرف غير الدنيا وشهواتها ومشاغلها وهمومها، فأصبح ذلك هدفه وقضيته التي تشغل تفكيره.

ـ مفهوم الهدف: هو القضية التي تشغل تفكير الإنسان، فإذا كان هدفه المال فهو دائم التفكير في المال وما يتعلق به من الحصول عليه وإنفاقه، وإذا كان هدفه الله والآخرة فهو دائم التفكير في معرفة الخالق والآخرة وما يتعلق بهما، وهكذا، فهناك قضية أساسية تشغل تفكير الإنسان هي هدفه.

ـ الهم يدل على الهدف والغاية، فالذي لا هم له إلا الدنيا فلا غاية له غير الدنيا حتى لو كان يدعي أمام نفسه أنه لا يريد إلا الله والآخرة، ففي تيسير التفسير: (( {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} .. فأعرِض أيها الرسول عن هؤلاء الذين لا همَّ لهم إلا جمع حطام الدنيا، لأن ذلك الذي يتبعونه هو منتَهى ما وصلوا إليه من العلم )) [4] ، وفي تفسير الشيخ المراغى: (( {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ(15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 15، 16] أي هؤلاء الذين لا همّ لهم إلا الدنيا وزينتها، ليس لهم في الآخرة إلا النار )) [5] .

ـ هل الآخرة موجودة أم لا؟، هل الآخرة أمر خطير أم أمر تافه؟، هل الآخرة قضية تشغل تفكير الإنسان أم أنها لا تستحق التفكير فيها؟، إذا لم تكن الآخرة قضية الإنسان وهدفه فتشغل تفكيره فهذا معناه أنه في حقيقة أمره يراها أمرا تافها لا قيمة لها وأنه في حقيقة أمره يرى أنها غير موجودة، وأنه في حقيقة أمره يستهزئ بها ويسخر منها، (( فَلَمَّا

(1) أيسر التفاسير للجزائري مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، السعودية (3/ 573)

(2) تفسير القرطبي ـ دار الكتب المصرية - القاهرة (ج: 11، ص: 268)

(3) تفسير البيضاوي ـ دار إحياء التراث العربي - بيروت (ج: 4، ص: 120)

(4) تيسير التفسير للقطان (3/ 281)

(5) تفسير الشيخ المراغي ـ شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي بمصر (12/ 16)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت